محمد بن الطيب الباقلاني

130

الإنتصار للقرآن

دليل آخر : وممّا يدلّ أيضا على صحّة نقل القرآن وأنّه هو المرسوم في مصاحفنا على وجهه وترتيبه الذي رتّبه اللّه جلّ وعزّ عليه ، اتفاقنا والشيعة على أنّ عليّا عليه السلام كان يقرأه ويقرئ به ، وأنّه حكّمه أيام التحكيم من فاتحته إلى خاتمته ، وأقرّ من حكّمه بإحياء ما أحيا وإماتة ما أماته ، وأنّه كان يحتجّ ويستدلّ به ورجع إليه ، هذا ما لا خلاف بيننا وبينهم فيه ، فوجب بذلك أن يكون نقله وتأليفه صحيحا ثابتا وأن يكون غير منقوص منه ولا مزيد فيه ، ولا مرتّب على غير الوجه الذي أمر عليه السلام بترتيبه عليه ، لأنّه لو كان فيه شيء من ذلك لسارع عليّ عليه السلام إلى إظهاره وإشهاره ، ولكان تشدّده فيه أعظم من تشدّده في كل ما حارب ونابذ عليه ، ولم يحكّمه ولم يقرّه ، وكان أحقّ الناس وأولاهم بذلك . وقولهم بعد هذا إنّه وإن كان قد فعل جميع هذا فإنّه قد أظهر أحيانا ضدّ ذلك ، وأنّه كان في إظهاره لذلك في تقية وتحت غلبة : قول باطل ودعوى لا برهان معها ولا شبهة في سقوطها ، وأيّ تقية تعاب عليه مع كثرة أجناده ونصّاره ، ونصبه الحرب سجالا مع أهل البصرة وصفّين وحروراء والنخيلة والنهروان وقتل من قتل في هذه المواقف لولا القحة « 1 » وقلّة الدّين والتحصيل ، وسنتكلّم بعد هذا في إبطال تعلّقهم بهذه التقية ، وشدّة وهاء قولهم ، ونذكر ضروبا من الكلام فيها وما يعني اليسير منها إن شاء اللّه ، فبطل بذلك ما قالوه ، وثبت أنّ من مذهب عليّ عليه السلام في اعتقاده : صحّة مصحف الجماعة وسلامة نقله وتأليفه من التخليط والفساد مذهب سائر الأمّة في وقته / ومن حدث بعده .

--> ( 1 ) وقح الرجل أي قلّ حياؤه فهو وقح ووقّاح . بيّن القحة بالفتح والكسر في القاف . « مختار الصحاح » ( ص 304 ) .