محمد بن الطيب الباقلاني

126

الإنتصار للقرآن

وإن أبوه وقالوا : لو وقع منهم اتّفاق على كتمان شيء من هذا لوجب ظهوره عليهم والعلم به من حالهم ، وأن يعلم ذلك أيضا من ليس من أهل ملّتهم ، لأنّ ذلك هو موجب العادة في كتمان الجمّ الغفير والعدد الكثير فيما يتّفقون على كتمانه ، وإن جاز حقّا تواطؤ الاثنين والنفر اليسير على ما يتّفقون على كتمانه . قيل لهم : وكذلك لو اتّفقت الأمّة أو عدد كثير منها على كتمان شيء من كتاب اللّه لوجب أن يظهر ذلك عليهم ويتحدّث به من أمرهم ويعرف من حالهم ، وهذا ما لا جواب عنه . ويستحيل أيضا أنّ ما أسقطوا ما كان حفظوه عن الرسول من القرآن ووعوه بعد ذكرهم له ومعرفتهم به ، وتركوا إثباته لأجل سهو / عن ذلك عمّهم ، ونسيان شملهم ، وعمّ سائرهم ، لأنّه ممتنع على مثل عددهم في العادة ، ومن هو أقلّ منهم في العدد الكثير ، ولو جاز ذلك عليهم لجاز أن يكونوا جميعا قد تركوا ذكر فرائض وحدود ، وأحكام وحروب ، وغزوات ، ومقاتل فرسان جلّة ، كانوا بمحلّ الصدر الأوّل ، وتركوا أيضا ذكر آيات أخر للرسول هي أكثر مما نقلوه بأمر عظيم ، لا عن سهو عن ذلك عمّهم ، ونسيان لحق سائرهم وغفلة اقتطعتهم عن ذكر شيء منه ، ومن صار إلى ركوب مثل هذا فقد بلغ في الجهل حدّا لا يرجى معه برؤه واستقامته ، ولا يطمع في الانتفاع بكلامه ، لأنّ هذا أجمع دفع للضرورة وجحد لموجب العادة ، أو آفة وغلبة تقطع صاحبها عن التمييز ، ويستحيل أن يكونوا إنّما تركوا إثبات ما سقط عليهم من القرآن لأجل هلاك من كان يحفظ تلك السّور والآيات ، التي ترك القوم إثباتها إمّا بالقتل أو الموت لأمرين :