رمضان خميس الغريب
207
الإمام محمد الغزالي ( جهوده في التفسير وعلوم القرآن )
القرآن الكريم وكل ما كان من هذا القبيل فهو لا شك معجز خصوصا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم تحدى به فأعجز أساطين الفصحاء وأعيا مقاويل البلغاء وأخرس ألسنة فحول البيان من أهل صناعة اللسان وذلك في عصر كانت القوى فيه قد توافرت على الإجادة والتبريز في هذا الميدان وفي أمة كانت مواهبها محشودة للتفوق في هذه الناحية وإذا كان أهل الصناعة هؤلاء قد عجزوا عن معارضة القرآن الكريم فغيرهم أشد عجزوا وأفحش عيا « 1 » ، وقد تناول الشيخ الغزالي - رحمه اللّه - هذا الجانب من جوانب الإعجاز القرآني ألا وهو الإعجاز البياني فتذكر أن أسلوب القرآن البيان يختلف تماما عن أي كتاب ينسب إلى السماء أو إلى الأرض ذلك أن قارئ القرآن ( يجزم بأن قائل هذا الكلام محيط بالسماوات والأرض مشرف على الأوليين والآخرين خبير بأغوار الضمائر وأسرار النفوس يتحدث إلى الناس تحدث السيد الحقيقي إلى عباده الذين خلقهم ورباهم بنعمته ويتناول الأمم والقرون في هالة من الجبروت والتعالى يستحيل أن تلمح فيها شارة تكلف أو ادعاء مع رفعة المصدر الذي تحس أن القرآن جاء منه وإحساسك بأن هذا الشيء أتى من بعيد فإنك ما تلبث أن تشعر بأن الكلام نفيه قريب من طبيعتك متجاوب مع فطرتك صريح في مكاشفتهم بحالك وما عليك متلطف في إقناعك فما تجد بدا من انقيادك لأدلته وانفساح صدرك لتقبله ) « 2 » ولا شك أن هذه الإحاطة وهذا التعبير الشامل للمعنى في كل توجيه من الإعجاز وقد ذكر الشيخ - رحمه اللّه - أن كثيرا من العلماء قد تعرض لشرح هذا الإعجاز البياني في القرآن وكان هو نفسه كثير الطواف حول هذا الجمال البياني يسرح فيه الطرف ويردد فيه الفكر ويسوق نماذج لمن أبرزوا هذه الزاوية في القرآن سواء كانوا من أهل السنة كالدكتور الشيخ محمد عبد اللّه دراز أم من الشيعة كالشيخ هبة اللّه الحسيني « 3 » ، وينقل الشيخ - رحمه اللّه - عن هذين العلمين وعن غيرهما ما يدل على اعتناءه بالإعجاز البياني للقرآن الكريم ويعتذر الشيخ عن عدم إفرازه شيئا في الإعجاز البياني بقوله ( كنت كالذي شغله الإعجاب بالجمل
--> ( 1 ) مناهل العرفان ، ج 2 ، ص 332 . ( 2 ) نظرات في القرآن ص 131 . ( 3 ) راجع نظرات في القرآن ، ص 134 - 135 .