رمضان خميس الغريب

119

الإمام محمد الغزالي ( جهوده في التفسير وعلوم القرآن )

سادسا : توافقا مع الكتب المنزلة من قبل : يرى الشيخ أن القرآن نزل منجما كما نزلت التوراة والإنجيل منجمين ، ومعلوم أن أكثر العلماء يرى أن التوراة نزلت دفعة واحدة ، وأن الإنجيل كذلك نزل دفعة واحدة ، وهذا هو السر في نظرهم في اقتراح الأعراب أن ينزل القرآن جملة واحدة ، ولكن الشيخ - رحمه اللّه - يرى أن التوراة والإنجيل نزلا منجمين ، وعلق على الرأي السابق بأنه وهم فمن الذي قال إن هذه الكتب نزلت كذلك - أي جملة واحدة - وما دليله إن الواقع من مطالعة ما في أيدي النصارى واليهود الآن ينفى هذا الزعم ، فالأناجيل المتداولة قصص كتبها تلامذة عيسى عليه السلام ودونوا فيها بعض تعاليمه التي صدرت عنه حسب الحوادث ، وكذلك الرسائل الأخرى التي كتبها بولس وغيره والعهد القديم كما تراه الآن لا يختلف عن العهد الجديد في الزمن الذي تألف فيه ، وليس في القرآن الكريم أن اللّه تعالى آتى عيسى الإنجيل دفعة واحدة ، ولا أتى موسى التوراة دفعة واحدة ، والألواح التي أخذها موسى كانت تحوى الوصايا العشر فقط « 1 » ولا يرى الشيخ مانعا من إنزال بعض الكتب جملة واحدة غير أن هذه الكتب لن تكون أساسا لرسالات بعيدة المدى واسعة الشرائع فربما تضمنت بعض الغطات والعبر وربما جمعت بعض الأحكام والأناشيد وذلك شئ غير ما انفرد به القرآن الكريم من خصائص ومميزات جعلت نزوله يأخذ نسقا مربوطا بأحوال الحياة وشؤون الناس فترة كافية للإحاطة بكل دقيق وجليل منها « 2 » . وفي الختام يدعو الشيخ إلى تدبر الأحوال التي نزل القرآن الكريم فيها معالجا لها وراسما ملامح سيرها لأن هذه الأحوال ليست خالصة بأفرادها وأحداثهم فحسب بل هي سير حياة ومنهج بناء ( فلنفهم هذه الحوادث لنفهم حقيقة القضية ، ومنحى الحكم جميعا وهذه الحوادث ليست خصومة نشبت بين أفراد بل هي سير حياة وطبيعة بشر وحال مجتمع

--> ( 1 ) انظر نظرات في القرآن ص 21 . ( 2 ) راجع نظرات في القرآن الكريم ص 20 وانظر مع دارسات في الدعوة والدعاة ص 156 .