محمد يوسف الشربجي
49
الإمام السيوطي وجهوده في علوم القرآن
« فكلامها عبارة عن جغرافية تاريخية » « 1 » . وثمة ظاهرة امتازت بها الحياة الفكرية في عصر سلاطين المماليك هي الإقبال الشديد على تأليف الموسوعات الضخمة التي تحوي على معلومات متباينة ، فبالإضافة إلى كتاب « صبح الأعشى » لأبي العباس أحمد بن علي القلقشندي ( ت 821 ه / 1418 م ) الذي يعد من أعظم الموسوعات الأدبية ، هناك كتاب « نهاية الأرب في فنون الأدب » للنويري ( ت / 733 ه / 1332 م ) ، وهو موسوعة كبيرة تقع في ثلاثين مجلدا ونيّف ، أما فضل اللّه العمري ( ت 749 ه / 1348 م ) فقد كتب موسوعته الشهيرة « مسالك الأبصار في ممالك الأمصار » وتقع في بضعة وعشرين مجلدا ، إلى غير ذلك من الكتب التي لا مجال لذكرها هنا ، وسيرى القارئ عند الحديث عن مؤلفات السيوطي أثر هذه النزعة الموسوعية في مؤلفاته « 2 » . بل إن الإمام السيوطي نفسه كان يمثل موسوعة حية ناطقة جمعت علوم عصرها واستوعبتها ، فكان صورة لكل مظهر من مظاهر الحياة العقلية والأدبية والثقافية في عصره . وهناك من يرى أن هذه الموسوعات كانت بسبب انصراف أصحاب القرائح عن الاشتغال في الفلسفة والفلك والرياضيات إلى البحوث الدينية بسبب ما توالى على الناس من المحن فالتجئوا إلى الدّين وعلومه وصارت العلوم في خدمة الدّين « 3 » . ولكن هذا الرأي غير صحيح ، لأن هناك بحوثا في الهندسة والنجوم
--> ( 1 ) محمود رزق سليم ، عصر سلاطين المماليك ، 3 / 120 وانظر عصر إحياء التراث العربي ص 12 / 14 . ( 2 ) انظر مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك ص 297 . حتى إن بعضهم أطلق على هذا العصر « عصر الموسوعات أو المجاميع » جرجي زيدان ، تاريخ آداب اللغة العربية 3 / 125 . ( 3 ) جرجي زيدان ، تاريخ آداب اللغة العربية ، 3 / 125 .