محمود توفيق محمد سعد
99
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
وعلى العلماء وولاة الأمر حمل النّاس بالحكمة والموعظة الحسنة وتبيان الحق إلى الأخذ بتلك الحيطة وألا يترك النّاس على ما تسوّل لهم شياطينهم من الإنس والجن ، فيؤخذ على كلّ من أصرّ على إضلال الناس وصرفهم عمّا جاء به الكتب والسنة . والبقاعي يتتبع مقالات " ابن عربي " في الفصوص مبرزا ما فيها ممّا يخالف عقيدة الإسلام وهو يقرّر أنّه ما اعتمد إلّا على نسخة من الفصوص أحضرها له واحد ممن يعتقد في " ابن عربي " ويتعصب له ، وهذا من تدقيقات البقاعي وحيطته في البحث العلمي وتوثيق مصادره لقي كتاب البقاعيّ " تنبيه الغبي " معارضة من بعض أهل العلم كتلميذه " السيوطي " ( ت : 911 ه ) فألّف كتابا عارضه به عنوانه : " تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي " وقد حققه " محمد إبراهيم سليم " سنة خمس عشرة وأربع مائة والف ( 1415 ) والسيوطي لم يبيّن وجه الحقّ في مقالات ابن عربي التي نقضها البقاعي وكان جديرا به أن ينقض مقالات البقاعي ، ويبين لنا المعنى الصحيح من كلام ابن عربي والدليل على صحة ما يقول ، ولكن السيوطي اكتفى بذكر العلماء المؤيدين ابن عربي ، وكانّ القول يستدلّ على أنّه الحقّ يمن قاله ومن أيّده لا بما حواه الكلام من الحق ، وهذا من العجز عن وجود ما يؤيد الكلام من نفسه مما يدل على أنّ الكلام نفسه ليس فيه ما يقطع بأحقيته ليس أحد يكون كلامه دليلا على شيء غير كلام اللّه سبحانه وتعالى ثمّ كلام نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإذا ما قيل : قال اللّه جلّ جلاله ، أو قال رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، وتوثقت نسبة الكلام إليه ، فقد قام الدليل قياما قاهرا على من كان بهما مؤمنا ، وإلا فنحن بحاجة إلى أن نقيم الدليل لمن لم يؤمن بهما من الكلام نفسه لا من مقام القائل ، ومن ثمّ سمعنا الحقّ سبحانه وتعالى يدعو إلى تدبر كلامه والنظر فيه ليقف المرء على أنّه كلام اللّه عزّ وجلّ : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( النساء : 82 ) « 1 » .
--> ( 1 ) - قوله ( لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) الضمير في ( فيه ) لما كان من عند غير اللّه سبحانه وتعالى أما ما كان من عنده جلّ جلاله فليس فيه اختلاف أصلا ، وقوله ( كثيرا ) وصف لما يكون من الاختلاف في غير القرآن ، أما القرآن فليس فيه اختلاف أصلا حتى يوصف بقليل أو كثير . يقول " أبو جعفر الطبري " في تأويل الآية : ( يعني جلّ ثناؤه بقوله ( أفلا يتدبّرون القرآن ) أفلا يتدبر المبيّتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب اللّه ، سبحانه وتعالى فيعلموا حجة