محمود توفيق محمد سعد

95

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

ومعلوم أنّ سيدنا " عليا " رضى اللّه عنهم ومن معه من الصحابة كانوا أفضل من معاوية رضى اللّه عنهم ومن معه بالشام ، فلا يكون أفضل الناس في عسكر سيدنا معاوية رضى اللّه عنهم دون عسكر سيدنا " عليّ " رضى اللّه عنهم وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي سعيد رضى اللّه عنهم عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنّه قال : " تمرق مارقة من الدّين على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحقّ " ( مسلم : الزكاة : 2 / 745 - حديث رقم : 150 ) وهؤلاء المارقة هم الخوارج الحرورية الذين مرقوا لمّا حصلت الفرقة بين المسلمين في خلافة " عليّ بن أبي طالب " رضى اللّه عنهم فقتلهم ، فدلّ الحديث الصّحيح على أنّ " عليا " رضى اللّه عنهم أولى بالحقّ من معاوية رضى اللّه عنهم ، فكيف يكون الأبدال في أدنى العسكرين دون أعلاهما في الشام مع معاوية رضى اللّه عنهم ؟ " « 1 » يقول " ابن القيّم " أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد كلها باطلة « 2 » وقد كان للتصوف الفلسفيّ الذي اتخذ الجدل والكلام عبادة آثار سيئة جدا على رقيّ الأمّة ، فقد أخلد كثير من المسلمين في أزمان غابرة إلى تلك الترهات والسمادير التي كان يروجها دهاقين التصوف الفلسفي ، أمّا التصوف السلوكي التعبدي على هدي الكتاب والسنة الصحيحة لا يحيد ولا يزيد ولا يحرف ولا يؤول فإنّه الطريق المستقيم - إن شاء اللّه ربّ العالمين وأصحاب هذا السبيل لا يكادون يبرزون بصدورهم إلى العامة في المحافل ، ولا يوهمون الناس بأنّهم أهل الوصول والقبول ، وأنهم يحتجبون عن الناس مخافة عليهم من أنوارهم التي تشرق من قلوبهم على أنوارهم ، إنّهم إلى الخفاء بأحوالهم مع اللّه سبحانه وتعالى أقرب ، إنهم يقيمون نصب أعينهم وفي قلوبهم العامرة بالخوف من اللّه عزّ وجلّ هدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الذي رواه " مسلم " رضى اللّه عنهم بسنده عن " سعد بن أبي وقاص " رضى اللّه عنهم قال : " سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : إنّ اللّه يحبّ العبد التّقيّ الغنيّ الخفيّ " ( مسلم : الزهد : حديث رقم : 11 / 29 ) وكلّ عالم بالكتاب والسنة عامل بهما هو على هذا الصراط المستقيم ، ومن عداهم فهو الضال المضلّ . مقطع القول أنّ البقاعيّ قد عني بحشد كثير من الأحاديث التي تدلّ على فضل الشام والترغيب في سكناه ، ولم يتحرز من الموضوعة

--> ( 1 ) - مجموع فتاوى ابن تيميّة : 11 / 167 - جمع ابن قاسم النجدي ( 2 ) - المنار المنيف لابن قيم الجوزيّة : 189