محمود توفيق محمد سعد

327

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

أتبع ذلك ذكره ترغيبا في اتباعه في التوحيد والميل مع الأمر والنهي إقداما وإحجاما إن كانوا ممن يتبع الحق أو يقلد الآباء ، فقال على سبيل التعليل لما قبله [ إنّ إبراهيم كان أمّة قانتا للّه حنيفا ] ولما كان السياق لإثبات الكمال لإبراهيم علي . . . ولم يك من المشركين . . . شاكرا ) ولما كان للّه عزّ وجلّ على من جعله أمة من النعم ما لا يحصى بيّن أنّ ذلك كلّه قليل في جنب فضله ، فقال : مشيرا إلى ذلك بجمع القلة ، وإلى أنّ الشاكر على القليل يشكر إذا أتاه الكثير من باب أولى ( لأنعمه ) « 1 » سياق الآية - كما يشير البقاعي - لحث الكافرين على أن يكونوا صادقين في تصحيح ما ادعوه من اتخاذ قاعدة عامة يلتزمون بها في حياتهم : اتباعهم نهج الآباء برا وطاعة لهم ، فبين القرآن الكريم لهم أنّ أحق الآباء بالاتباع هو أبو العرب أجمعين وأعلاهم : إبراهيم ، وهو لم يك من المشركين على أي وجه من وجوه الشرك بما أشار إليه حذف ( النون ) من المضارع ( يك ) ، فما بالهم قد عقوه وخالفوه بشركهم وإعراضهم عن شرعته ومنهاجه إلى شرعة ومنهاج من هو أدنى منه وأنزل ، فاقتضي المقام الإبلاغ في إعلاء شأن إبراهيم أبيهم عليه السّلام لعلّهم يقتدوا به في توحيده وشكره للّه جلّ جلاله ، فهو شاكر للقيل من النعم فكيف به شاكرا للكثير ؟ إنّ ذلك لجدّ عظيم كما تقضي به دلالة مفهوم الموافقة التي هي سبيل من سبل الإبانة في لسانهم العربي المبين ففي الإبانة بكونه شاكرا لأنعمه عن أنه شكّار لنعمه سلوك لطريق التنبيه بالدنى على الأعلى . * * * * * البقاعيّ كما رأيت حريص على النظر في مدلول الكلمات ودلالاتها عليه سواء منها ما هو مكنون فيها من أسرتها الاشتقاقية وما هو قائم فيها من صورتها وصيغتها التكوينية ، فالكلمة عنده ذات روافد عديدة في دلالتها على معناها البياني مجمل القول بأن هذا المعلم على الرغم من أنّي بسطت فيه القول أكثر من غيره فإنّي لم أوفّه الإشارة مجرد الإشارة إلى معشار ما يدخل في تأويل البقاعي البيان القرآنيّ الكريم .

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 11 / 272 - 273