محمود توفيق محمد سعد
322
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
( الكهف : 6 ) و لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( الشعراء : 3 ) فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ( فاطر : 8 ) سبب عنه أسفه : ( أفمن حقّ ) وأسقط ( تاء ) التأنيث الدالة على اللين تأكيدا للنهي عن الأسف عليهم ( عليه كلمة العذاب ) بإبائه وتوليه ، فكان لذلك منغمسا في النار التي أبرمنا القضاء بأنها جزاء الفجار لا يمكن إنقاذه منها « 1 » يشير إلى أثر دلالة التأنيث في تصوير عدم استحقاقهم الأسف عليهم ، وهم الذين حق عليهم العذاب ، بل كانوا فيه ، هذا التصوير يتناسب مع دلالة الاستفهام في ( أفمن ) و ( أفأنت ) وتقديم الضمير ( أنت ) على المسند الفعلي ، وتصويرهم بأنّهم في النار على الرغم من أنّهم أحياء ( وإن كانوا فيما أذهب إليه في نار معنوية تأكل آدميتهم وعلاقتهم بربهم ) كل ذلك لتأكيد نهيه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا عن الأسف عليهم ، ذلك الأسف الصادر من قلب النبي الرؤوف الرحيم صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ، فكان حتما إخراج جميع عناصر البيان في صورة بالغة التأثير ، لتتناسب مع عظيم الأسف عليهم من النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ، وفي هذا مزيد مدح له بالرأفة لأمته حتى لمن عاند منهم . * * * وجاء بالبيان بالفعل مذكرا والفاعل جمع مؤنث ، والغالب تأنيث الفعل مع هذا الفاعل ، وذلك في قول اللّه : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( آل عمران : 105 ) جاءت الآية في سياق هداية الأمة إلى الاعتصام بكتاب اللّه والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليتحقق لهم الفلاح . وأكد هذا بالنهي عمّا يضادّ ما أمرهم به فقال : [ ولا تكونوا كالّذين تفرّقوا واختلفوا . . . ] ويبين لنا البقاعي تناسب تذكير الفعل ( جاء ) مع السياق وما تحمل الآيات إليه الأمّة من حسن العاقبة : " . . . ولمّا أمرهم بذلك أكده بالنهي عمّا يضاده معرّضا بمن نزلت هذه الآيات فيهم من أهل الكتاب مبكّتا لهم بضلالهم واختلافهم في دينهم على
--> ( 1 ) - ينظر نظم الدرر : 16 / 480 - 481