محمود توفيق محمد سعد
306
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( البقرة : 91 ) فقد جاء على خلاف مقتضى الظاهر ، فإن مقتضى الظاهر أن يقال : فلم قتلتم أنبياء اللّه من قبل " لأن قوله ( من قبل ) دال على أن القتل المستنكر وقوعه قد كان من قبل الخطاب . يتدبّر البقاعىّ هذا قائلا : « ثم بين أن كفرهم بهذا القتل إنما هو بطريق الرضى بقتل أسلافهم ، بقوله مثبتا الجار ، لأن ذلك كان منهم في بعض الأزمان الماضية ( من قبل ) . وفي صيغة " المضارع " تصوير لشناعة هذا القتل بتلك الحال الفظيعة ، ورمز إلى أنّهم لو قدروا الآن فعلوا فعلهم ، لأن التقدير : وتصرّون على قتلهم من بعد ، وفيه إيماء إلى حرصهم على قتل النبي صلى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا تحذيرا مهم . . . » « 1 » فالبقاعى يرى في البيان بالمضارع هنا في صحبة القرينة الدّالة على وقوع الحدث في الزمن الماضي دلالة على إرادة تصوير بشاعة ما وقع من أسلافهم ، وأنّهم راضون به ، غير منكرين له ، وأنّهم بهذا كمن يشارك في إيقاعه ، وأنّهم إذا ما حانت لهم فرصة . لا يتوقفون في انتهازها ، فلا يمنعهم منها إلا عجزهم أو خوفهم ، وكأنّ فعلهم مع النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا لن يقلّ عن فعل أسلافهم مع أنبيائهم عليهم السلام ، ففعل أسلافهم كأنّه قام بعينه وصورته ودرجته فيهم . وفي هذا البيان لحالهم للمسلمين ما لا يخفى على عاقل . غير أنّ المنتسبين إلى الإسلام وراثة من كبار السّاسة والمثقفين ودعاة التنوير وأبناء العهد الجديد ونشطاء السلام لا يرون هذا ، فهم - عند أنفسهم الأمارة بالسوء - أثقب نظرا ، وهم أحق بأن تسمع كلمتهم من كلّ ما يستنبط بأليات فهم قديمة من بيان نزل من خمسة عشر قرنا لقوم أقاموا في كبد الصحراء ! ! ! . * * * وإذا ما كان المضارع ( تقتلون ) في آية " البقرة " قد جاء في صحبة قرينة دالة على وقوع القتل في الزمن الماضي ( من قبل ) فإن المضارع قد يأتي معطوفا على فعل ماض ثم يعطف عليه ماض كما في قوله سبحانه وتعالى : وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ ( فاطر : 9 )
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 2 / 49