محمود توفيق محمد سعد

298

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

ومقصودها : كلمة " قرية " تقوم على معنى الجمع ، فالقاف والراء وما يثلثهما فيه معنى الجمع ، وهذا ما يستحضر في قلب المتلقى معنى اجتماع أهلها ، والآية جاءت في سياق إبراز أن أهل تلك البقعة متصفون بمذمة البخل والإعراض عن إكرام الضيفان ، وأنهم مجمعون على مثل هذا ، وهذا من أبلغ البخل ؛ لأنّ من يبخل والقوم في جمع كان بخله منفردا أعظم ، وفيه مذمّة وهي أنّه ليس فيهم من ينهاهم عن تلك المذمّة ، وكأنّها أضحت فيهم معروفا غير مستنكر ، وهذا من إحالة المنكر معروفا ، وإذا ما بلغت أمة ذلك ، فهي الخواء من كلّ فضل . في اصطفاء هذه المادة تناسب مع سياق الإبلاغ في ذمهم ويؤازر هذا البيان بقوله : " استطعما أهلها " وقوله " فأبوا أن يضيفوهما " . وكلمة " المدينة " تبرز معنى آخر هو أليق بالتعليل لإقامة الجدار : تدور أصول هذه الكلمة على معنى الإقامة ، والآية جاءت في سياق بيان وجه ما فعل ، وأنّ العبد الصالح لو لم يقم الجدار لتهدم وساعد في إسراع تهدمه إقامة أولئك من حوله ، فيكون عرضة انتهابه ، فمعنى " الإقامة " الذي هو مركز مدلول مادة " مدن " هو المتناسب مع وجه إقامة ذلك الجدار وكل ذلك يبرز وجها من المعنى العام للقصة ، وأنّ من وراء هذا العلم المكتسب علما أنفذ في باطن الحقائق ، وأنّ على كلّ ذي علم أن يعلم أنّ من فوق علمه وإن تعاظم وتكاثر علما أسمى وأعظم وهذا يتناسب مع المعنى العام لسورة " الكهف " وما استفتحت به من الحمد على نعمة العلم الذي به قوام البقاء النافع والقويم في هذه الحياة . * * * ومما عنى البقاعيّ بالنظر في تأويله وتدبر مناسبته لسياقه والمقصود من البيان الكلمات ( سنة ) و ( عام ) وحجة ) و ( حول ) فهي كلمات يحسب أنها سواء في مدلولها ، وقد جاءت من البيان القرآني في سياقات ومقاصد متنوعة جاءت كلمة ( سنة ) سبع مرات مفردة ، وإحدى عشرة مرة مجموعة ( سنين ) : ( البقرة : 96 - المائدة : 26 - يونس : 5 - يوسف : 42 ، 47 - الإسراء : 12 - الكهف : 11 ، 25 - طه : 40 - الحج : 47 - المؤمنون : 112 - الشعراء : 18 ، 205 - العنكبوت : 14 - الروم : 4 - السجدة : 5 - الأحقاف : 15 - المعارج : 4 وجاءت كلمة ( عام ) تسع مرات ( البقرة : 259 - 259 - التوبة : 28 - 37 - 37 - 126 يوسف : 49 العنكبوت : 14 لقمان : 14 ) وكلمة ( الحول ) جاءت في آيتين من سورة البقرة : ي : 233 ، 240 )