محمود توفيق محمد سعد

294

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

لما بين الفعلين من فرق دلالي ، ولما بين مدلول الفعل ( يحسب ) وسياقه هنا من تناسب جدّ بديع ، وهو في هذا يقول : " أخبر سبحانه وتعالى تحقيقا لقوله الماضي في جبنهم [ الآية السابقة ] أنّ المانع الذي ذكره لم يزل من عندهم لفرط جبنهم ، فقال تحقيقا لذلك وجوابا لمن ربّما قال : قد ذهب الخوف فما لهم ما سلفوا ؟ ( يحسبون ) أي يظنون لضعف عقولهم في هذا الحال ، وقد ذهب الخوف لشدة جبنهم وما رسخ عندهم من الخوف ( الأحزاب ) وقد علمتم أنهم ذهبوا ( لم يذهبوا ) بل غابوا خداعا . وعبّر بالحسبان ؛ لأنّه - كما مضى عن " الحرالي " في البقرة - ما تقع غلبته فيما هو من نوع ما فطر الإنسان عليه واستقر عادة له . والظن فيما هو من المعلوم المأخوذ بالدليل والعلم . قال : فكان ضعف علم العالم ظن ، وضعف عقل العاقل حسبان " « 1 » إذا ما رجعنا لمواقع بيان القرآن الكريم بما جاء من مادة " حسب " و " ظن " ألفيناه مقيما كلمات " حسب " في سياق المذمّة أو النهي عن قبيح أو إنكار وتوبيخ ، أو ما يدل على أنّ ما وقع خطأ أو ضلال إشارة إلى حقيقة مدلول كلمات هذه المادة التي كشف عنها " البقاعيّ " تأثرا ب " الحرالّيّ " . أمّا الفعل ( ظنّ ) فإنّه في البيان القرآنيّ قد يأتي في سياق الدلالة على أن ما وقع حق وصواب ، وقد يقام مقام اليقين . . . * * * ويقف أمام البيان بكلمة " مؤتفكات " في قول اللّه سبحانه وتعالى : أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ التوبة : 70 ويقول كاشفا عن معالم التناسب البديع بين البيان بكلمة " المؤتفكات " وطبيعة فعل الكافرين من أمّة سيدنا " لوط " عليه السّلام الذي كان مدلول كلمة " مؤتفكات " جزاء وفاقا لفعلتهم النكراء ، وطبيعة المنافقين الذين سياق الكلام لهم ، فالآيات متتابعة من الآية الثانية والأربعين إلى آخر السورة للحديث عن المنافقين يقول " البقاعيّ " : ولما قرر سبحانه وتعالى بهذه الآية تشابههم في التمتع بالعاجل وختمها بهذا الختام المؤذن بالانتقام ، أتبع ذلك بتخويفهم من مشابهتهم فيما حلّ

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 15 / 321