محمود توفيق محمد سعد

288

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

ورحم اللّه زمانا كان شربه العزّة وطعامه المنعة والنجدة لكلّ مستصرخ ، ولباسه المجد المؤثل المصون المعلى * * * منهج البقاعيّ قائم على استبصار معالم تناسب القرآن الكريم في كلماته وجمله وآياته ومعاقده وسوره ، وهذا التناسب أساسه تحقق معنى جامع للمتناسبات ، واستبصار هذا المعنى هو المفتاح الذي يحقق للبقاعيّ ما يصبو إليه ، ذلك ما يبدو لمن يتابع التبصر في صنيعه . وليس من شك في أنّه لن يكون بملكى أن أحيط بنزير مما عنى به " البقاعيّ " في شأن تناسب مادة الكلمة مع السياق مدلولا ودلالة ، غير أنّى مجتهد في أن أقف عندما يرسم منهجه ويكشف معالم حركته وما انتهى إليه في هذا . * * * للّه السماء الحسنى ، ولكل اسم منها مدلوله ودلالته ، ولكلّ منها موقعه الذي هو به أخصّ ، وفقه البيان باسم من أسمائه الحسنى ومناسبة اصطفائه في سياقه من الفقه العلىّ ، وكانت للبقاعيّ عناية بذلك . من أسمائه الحسنى التي لم يتكرر ذكره في القرآن الكريم ( البارئ ) وقد يظن أنّه مرادف لاسمه ( الخالق ) أو ( الفاطر ) الذي تكرر ذكر كلّ في القرآن الكريم ، بينا اسمه ( الباري ) لم يأت إلا في آيتين : الأولى جاءت في موطن تعداد بعض أسمائه في آخر سورة ( الحشر ) ، والأخرى في سورة ( البقرة - ي : 54 ) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ ليس يخفى أن أصل المعنى في كلمة ( خالق ) إنما هو التقدير ، بينما أصل المعنى في كلمة ( بارئ ) هو البراءة من النقص في الإيجاد والتقدير ، ومزيد الامتنان يظهر في البيان بقوله ( بارئ ) ، فإذا ما كان السياق للتذكير بمزيد الفضل إغراء بحسن الإقبال ، فإنّ البيان باسمه ( البارئ ) أعظم تناسبا مع السياق . يقول " البقاعيّ " : " ( وإذ قال موسى لقومه ) العابد للعجل والساكت عنه . . . ( يا قوم ) وأكّد لعراقتهم في الجهل بعظيم ما ارتكبوه وتهاونهم به لما أشربوا في قلوبهم من الهوى ، فقال : ( إنكم ظلمتم أنفسكم ) ظلما تستحقون به العقوبة ( باتخاذكم العجل ) أي إلها من دون اللّه سبحانه وتعالى ، فجعلتم أنفسكم متذللة لمن لا يملك لها شيئا ولمن هي أشرف منه ، فأنزلتموها من رتبة عزّها بخضوعها لمولاها الذي لا يذلّ من والاه ولا يعزّ من عاداه إلى ذلّها