محمود توفيق محمد سعد
279
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
المعاني التي قد لا يتمكن المرء من إدراكها إذا ما شغله شاغل من كلام وإن استمع معه . وإذا ما كانت صور الأداء توقيفية فإن في كل صورة قامت في موضعها وسياقها ما يجعلها ذات تناسب وتناسج وتأخ وتناغ مع السياق الذي قامت فيه ، وهذا ما يجعل الروايات تتعدد في أداء كلمة قرآنية في سياق بينما الكلمة نفسها في سياق آخر لا ترد فيها إلا رواية واحدة مما دلّ على أن السياق والقصد لهما علاقة وثيقة بتعدد صور الأداء أو توحدها ، . وهذا ما أرغب إلي النظر في تأويل البقاعي لمثل هذه الوجوه . * * * * * من صور الأداء الإدغام والفك لكلمة ما من كلمات القرآن المجيد فالإدغام ذو وجه صوتي ماثل في إدخال صوت حرف في صوت حرف آخر ، والفكّ مقابله وعجيب أن يكون في صورة وأداء لفظ " الفك " إدغام فهذه المفارقة كأنّ فيه إلاحة إلى أنه وإن كان الفك هو الأصل فإن الاعتداد بما يقتضيه التناسب الصوتي في هذا الذي هو أساس عظيم من أسس التناسب القرآني الكريم وقد كان لعلماء البلاغة العربية عناية جليلة بالتناسب الصوتي في أسفارهم البلاغة ، ولا سيما المتأخرين الجاعلين ذلك التناسب الصوتي مقدمة فصاحة الخطاب التي هي أساس بلاغته ، وهذا الوجه الصوتي : الإدغام والفك له في البيان القرآني وجه دلالي يتدبر البقاعي بعض صوره فيه : جاءت كلمة ( يرتدّ ) في سورة البقرة وفي سورة المائدة : قال عزّ وجلّ في سورة " البقرة " : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( البقرة : 217 ) وفي سورة " المائدة " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( المائدة : 54 )