محمود توفيق محمد سعد

272

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

المعلم العاشر . تأويل التصريف البياني ( متشابه النظم ) ممّا قرره الحقّ جلّ جلاله في بيانه عن القرآن الكريم قوله سبحانه وتعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( الزمر : 23 ) قوله : ( متشابها مثاني ) جامع أصلا عظيما من أصول البيان القرآني الحكيم اقتضاه المقصود الأعظم من إنزال القرآن الكريم ، وما يعليه منهاج التربية الربّانيّة المفاض من معدن الرحمة بالعالمين . المقاصد الكلية للقرآن الكريم لا يأتي البيان عنها في موضع واحد من القرآن الكريم بل تراه يصرّف البيان عنها في مواضع عديدة وينوع طرائق الدلالة عليها تنويعا لا يكاد التدبّر النافذ والوسيع يحيط بها . يقول البقاعيّ في تأويل قول اللّه سبحانه وتعالى : ( متشابها مثاني ) " ( متشابها ) أي في البلاغة المعجزة والموعظة الحسنة لا تفاوت فيه أصلا في لفظ ولا معنى ، مع كونه نزل مفرقا في نيّف وعشرين سنة . . . . ولم يقل " مشتبها " لئلا يظن أنّه كله غير واضح الدلالة ، وذلك لا يمدح به . ولمّا كان مفصّلا إلى سور وآيات وجمل ، وصفه بالجمع في قوله ( مثاني ) جمع مثنى من التثنية بمعنى التكرير أي تثنّى فيه القصص والمواعظ والأحكام والحكم ، مختلفة البيان في وجوه من الحكم ، متفاوتة الطرق في وضوح الدلالات ، من غير اختلاف أصلا في أصل المعنى ، ولا يملّ من تكراره ، وترداد قراءته وتأمله واعتباره مع انّ جميع ما فيه أزواج من الشيء وضده . . . فلا ترتب على شيء من ذلك جزاء صريحا إلّا ثنّي بإفهام ما لضدّه تلويحا ، فكان مذكورا مرّتين ، ومرغبا فيه أو مرهّبا منه كرّتين . . . . وفائدة التكرير انّ النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة ، فما لم يكرر عليه عودا على بدء لم يرسخ عندها ، ولم يعمل عمله ، ومن ثمّ كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا يكرّر قوله ثلاث مرّات فأكثر . . . . . " « 1 »

--> ( 1 ) - نظم الدرر : ج 16 / 388