محمود توفيق محمد سعد

270

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

في تأويل قول اللّه سبحانه وتعالى أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ * يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ * كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ يذهب " البقاعيّ " إلى أنّ في الآية لفا ونشرا مشوّشا : ذكر في الآية الأولى البأساء والضرّاء على هذا الترتيب ، وفي الثانية ذكر الإنفاق ، وهو يناسب الضرّاء ، وفي الثالثة ذكر القتال ، وهو يناسب البأساء ، يقول : " لمّا كانت النفقة من أصول ما بنيت عليه السورة من صفات المؤمنين وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ثمّ كرر الترغيب فيها في تضاعيف الآي إلى أن أمر بها في أوّل آيات الحج الماضية آنفا [ ي : 195 - 197 ] مع أنّها دعائم بدايات الجهاد إلى أن تضمنتها الآية السالفة [ ي : 214 ] مع القتل الذي هو نهاية الجهاد كان هذا موضع السؤال عنهما ، فأخبر تعالى عن ذلك على طريق النشر المشوش ، وذلك مؤيد لما فهمته في البأساء والضراء ، فإنّ استعماله [ أي المشوش ] في القرآن أكثر من المرتّب فقال معلما لمن سأل : هل سأل المخاطبون بذلك عنهما ؟ ( يسألونك ما ذا . . ينفقون . . . " « 1 » يذهب البقاعيّ إلى أنّ البأساء أكثر استعمالا في الحرب والضراء أكثر ما تستعمل في الأموال ، وهذا منه إشارة إلى المنهج الإحصائي التأويلي الذي يستجمع شواهد الظاهرة البيانية في الخطاب المتدبّر كلّه ليقف المتدبّر على ما هو الغالب على الخطاب في سنّته البيانيّة ليتّخذ المتدبّر من ذلك منهاجه في التّأويل على ما هو الغالب على ذلك البيان

--> المثل الأعلى : " وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) ( القصص : 73 ) علما بأن المخاطبين يعرفون وقت السكون ووقت الاكتساب " ( الكتاب : 2 / 36 - المكتبة التجارية الكبرى - القاهرة سنة 1355 ه ( 1 ) - نظم الدرر : 3 / 212 - 213