محمود توفيق محمد سعد

268

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

هو على مذهب أن الملتفت عنه ما كان يقتضيه الظاهر أن يكون ، وهو ما يعرف بمذهب الزمخشري والسكاكيّ لا ما كان البيان به أو لا وهو ما يعرف بمذهب الخطيب والجمهور . ترى هذا في تأويل " البقاعي " البيان في أول سورة عبس : عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى * وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى يقول في بيان مقصودها الأعظم : " مقصودها : شرح إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها بأنّ المراد الأعظم تزكية القابل للخشية بالتخويف بالقيامة . . . " ثم يعمد إلى تأويل مطلع تلاوة السورة قائلا : " لمّا قصره سبحانه وتعالى على إنذاره من يخشى ، وكان قد جاءه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا عبد اللّه بن أم مكتوم الأعمى رضى اللّه عنه وكان من السابقين وكان النبيّ صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا حين مجيئه مشتغلا بدعاء ناس من صناديد قريش إلى اللّه عزّ وجلّ ، وقد وجد منهم نوع لين ، فشرع " عبد اللّه " رضي اللّه عنه يسأله وهو لا يعلم ما هو فيه من الشغل . . . فكره صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقطع كلامه مع أولئك خوفا من أن يفوته منهم ما يرجوه من إسلامهم . . . فكان صلّى اللّه عليه وسلّم يعرض عنه ويقبل عليهم ، وتظهر الكراهة في وجهه ، لاطفه سبحانه وتعالى بالعتاب عن التشاغل عن أهل ذلك بالتّصدّي لمن شأنه أن لا يخشى . . . فقال مبينا لشرف الفقر وعلو مرتبته وفضل أهل الدين وإن هانوا ، وخسّة أهل الدنيا وإن زانوا ، معظّما له صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا بسياق الغيبة . . . ( عبس ) أي فعل الذي هو أعظم خلقنا ونجلّه عن أن نواجهه بمثل هذا العتاب بوجهه فعل الكاره للشيء . . . . وآذن بمدح صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا بأنّ ذلك خلاف ما طبع عليه من رحمة المساكين . . . بقوله عزّ وجلّ : ( وتولّى ) أي كلّف نفسه صلّى اللّه عليه وسلّم الإعراض عنه رجاء أن يسلم أولئك الأشراف . . . ( أن جاءه الأعمى ) . . . . ولمّا عرّف بسياق الغيبة ما أريد من الإجلال ، وكان طول الإعراض موجبا للانقباض أقبل عليه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ، فقال ( وما يدرك . . . لعله . . . يزّكّى ) . . . " « 1 » في هذا المنهاج من خطاب النبيّ صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا إعلاء لشأنه أولا وبيان لمنزله عند ربّه عزّ وجلّ ثانيا وتعليم لأمته كيف يكون خطابها مع نبيها صلّى اللّه عليه وعلى آله

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 21 / 249 - 252