محمود توفيق محمد سعد

266

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

قال " الحرالّيّ " : المثل ما ينحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة ، فيكون ألطف من الشيء المحسوس ، فيقع لذلك جاليا لمعنى مثل المعنى المعقول ، ويكون الأظهر منهما مثلا للأخفى ، فلذاك يأتي استجلاء المثل بالمثل ، ليكون فيه تلطيف للظاهر المحسوس ، وتنزيل للغائب المعلوم . ففي هذه الآية يقع الاستجلاء بين المثلين ، لا بين الممثولين ، لتقارب المثلين معنى وهو وجه الشبه ، وتباعد الممثولين وفي ذكر هذين المثلين تقابل يفهم مثلين آخرين ، فاقتضى ذلك تمثيلين في مثل واحد ، كأنّ وفاء اللفظ الذي أفهمه هذا الإيجاز : مثل الذين كفروا ومثل راعيهم ، وكمثل الراعي ومثل ما يرعى من البهائم وهو من أعلى خطاب فصحاء العرب ومن لا يصل فهمه إلى جمع المثلين يقتصر على تأويله بمثل واحد فيقدّر في الكلام : ومثل داعي الذين كفروا ( كمثل الذي ينعق ) أي يصيح وذلك لأنّ التأويل يحمل على الإضمار والتقدير والفهم يمنع منه ويوجب فهم إيراد القرآن على حدّه ووجهه . . . . . وقد علم بهذا أنّ الآية من الاحتباك : حذف من الأوّل مثل الدّاعي لدلالة النّاعق عليه ، ومن الثاني المنعوق به لدلالة المدعوين عليه . . . " « 1 » تأويل نظم الآية على هذا المنهاج ( الحذف التقابلي ) والذي اعتمد فيه على " الحرالي " هو التأويل الذي ترى أصله في صنيع " سيبويه " في " الكتاب " « 2 » وهذا التأويل ينظر إلى التمثيل التشبيهي ، وتركبه من عدّة عناصر لا يستوجب المقام ذكرها كلّها بل يستوجب الدلالة على بعضها ببعضها طاويا من كل جانب ما يدلّ عليه المذكور في الجانب الآخر . ونحن إذ ننظر في المثل الأول : مثل الذين كفروا نرى تمثيلهم بالغنم التي ينعق بها راعيها الشفوق الرؤوف بها السائقها إلى ما فيه نجاتها ،

--> ( 1 ) - نظم الدرر : ج 2 ص 331 - 335 ( 2 ) - الكتاب لسيبويه : ج 1 ص 212 - ت : هارون وانظر معه " إعراب القرآن المنسوب إلى الزجاج - ج : 1 ص : 47 - ت : إبراهيم البياري - دار الكتاب المصري - 1982