محمود توفيق محمد سعد
259
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
ومما أثر عن أهل العلم قولهم : " البلاغة الإيجاز " وهي مقالة فاقهة طبيعة البيان البليغ الذي يكون ملفوظ اللسان فيه نزيرا ، ومكنون الجنان فيه كثيرا ، فهذا الملفوظ اللسانيّ يحمل في رحمه فيضا من المعاني دقيقها ولطيفها لا يقتدر اللسان على أن يتقاذف منه المعادل الصوتي لهذه المعاني . لا يقف فضل الإيجاز عند هذا بل إنّه ليكون طريقا إلى أن يقيم السامع والمتلقى له مقاما يذهب فيه المذاهب الوسيعة الفسيحة لاجتناء ثمرات هذا البيان الموجز ، فإنّ السامع ليجد لذة عظيمة في سعيه إلى تقدير ما جاء نسج البيان على حذفه وطي ذكره ، وكأنّ السامع والمخاطب ، ولا سيما في البيان العلىّ المعجز قرآنا وسنة ، يجد في فتح المتكلم له باب تقدير ما طوى ذكره إعلاء من شأنه ، وكانّه يدعوه إلى أن ينسج نفسه في هذا البيان ، أن يدخل خيط الإبريسم الذي يمدّه هو ليتم به نسج ذلك الديباج البديع . إنها اللذة التي لا تعدلها لذة ، ومن العجيب أنك كلما ازددت علما بالكلام ، وازددت قربا من المتكلم وعلما به انفتحت لك أبواب عليّة من التقدير لم تكن منفتحة لك وأنت في المنزلة الأدنى والأبعد كذلك تجد نفسك مع بيانات الحذف في ارتقاء وتطرية نشاط ، وتمتع بصنوف من اللذة لا تتناهى ولا تنحصر الإيجاز قرى المتكلم للسامع ، وأذان منه للمتلقي بالتآخي : إنّما المتكلم البليغ والمتلقي البليغ في تلفيه إخوة . والإيجاز في دلالته على المعاني المتكاثرة إنّما يتخذ سبيلا غير مكشوف بل يهدى إليك لطائفه ملفوفة في ستائر حريرية ، وذلك مما تعشقه النفس المتذوقة جمال البيان . والحذف ضرب من ضروب الايجاز التي تتسم بما هو فوق الذي ذكرت لك ، وقد كان من " الإمام عبد القاهر الجرجاني " في كتابه : " دلائل الإعجاز " كلمات في صدر كلامه في باب " الحذف " أشار فيها إلى شيء من محاسن الحذف وفضائله وعطاياه يقول فيها : " هو باب دقيق المسلك ، لطيف المأخذ ، عجيب الأمر ، شبيه بالسحر ، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر ، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة ، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق ، وأتمّ ما تكون بيانا إذا لم ثبن . وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر وتدفعها حتى تنظر " « 1 »
--> ( 1 ) - دلائل الإعجاز لعبد القاهر 164 - ت : شاكر