محمود توفيق محمد سعد
257
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
فتشوقت النفس إلى بيان حاله بين أنّه الذل ، فقال عاطفا ب " الواو " ليصلح لما قبل ولما بعد وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ . . . " « 1 » وهو يوجه العطف ب " الواو " بأنه كان ليصلح قوله قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ أن يشير إلى رعبين : * الرّعب الذي أنزلهم من صياصيهم * والرعب الذي ملأهم ، وهم في قبضة المسلمين . أحدهما قبل الإنزال ، والآخر بعده وقد صرح بالرعب الثاني وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ لهول ما ترتب عليه ، وهو قوله : جلّ جلاله فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً بخلاف ما ترتب عليه الإنزال الأول . ويتدبر تقديم المفعول في فَرِيقاً تَقْتُلُونَ فيرى أنه " لمّا ذكر ما أذلّهم به ذكر ما تأثر عنه مقسّما له فقال ( فريقا ) فذكره بلفظ الفرقة ، ونصبه ليدل بادئ بدء على أنّه طوّع لأيدي الفاعلين ( تقتلون ) وهم الرجال ، وقد كانوا نحو سبع مائة . ولمّا بدأ بما دلّ على التقسيم مما منه الفرقة ، وقدّم أعظم الأثرين الناشئين عن الرعب أولاه الأثر الآخر ؛ ليصير الأثران المحبوبان محتوشين بما يدل على الفرقة ، فقال : ( وتأسرون فريقا ) وهم الذراري والنساء . ولعله أخر الفريق هنا ليفيد التخيير في أمرهم ، وقدم الرجال لتحتم القتل فيهم " « 2 » جلى البقاعي عطاء مادة ( فريق ) وإيقاعه مفعولا ، دون أن يرفع ليجعل مسندا إليه فيقال : وفريق تقتلون أي تقتلونه ، وتفاعل العطاءين : المادة والموقع ( المفعولية ) لتصوير الهوان الذي حاق بهم مما يؤكد ويبين ثراء الكلمة القرآنية وتكاثر روافد الدلالة والإفادة ، ويبيّن يقظة البقاعي في تدبره النّافذ . وفي التقديم فوق ما ذكر تشويق النفس المسلمة التي عاشت لحظات القلق على مصير الإسلام ، فيأتي الفعل بعد تحديد المفعول ليحدد مصير الفريق المقدّم ، فإذا ما أضيفت إليه دلالة إسناد الفعل إلى المسلمين ، بينما الأفعال السابقة أسندت إلى الحق سبحانه وتعالى ، فإن العطاءين يتناغيان بما فيه شفاء النفوس التي عانت أقصى لحظات القلق .
--> ( 1 ) - نظم الدرر : نظم الدرر : 15 / 333 ( 2 ) - الموضع السابق