محمود توفيق محمد سعد
248
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
المعلم التاسع تدبر النظم التركيبي لبناء الجملة أشرت قبل إلى أنّ النظم عند " البقاعيّ " نوعان : نظم ترتيبيّ أضيق مجالاته أن يكون بين الجمل النحوية وهي تشكل بناء الآية القرآنية وتكون العلائق بين هذه الجمل علائق سياقية وليست علائق إعرابية ذات معايير نحوية ، وقد نظرت في موقف البقاعيّ من تأويل ذلك النمط من النظم ، ومنزله في الإعجاز البيانيّ للقرآن الكريم . ونظم تركيبي يكون بين عناصر بناء الجملة النحوية أساسه العلائق النحوية بين مكونات الجملة . ومن البين أن الجملة النحوية وإن امتدت وتكاثرت عناصرها وتنوعت فكانت ألفاظا وكانت جملا في قوة المفرد ( لها محل من الإعراب ) إنّما أساس العلائق علاقة الاسناد القائم بين مسند ومسند إليه ثمّ يبنى على تلك العلاقة الإسنادية الأم علائق أخرى كمثل علاقة التبعية أو علاقة التضايف أو التعلق . . . بعض الآيات القرآنية وإن تكونت من جمل عدة ، فإنك إذا نظرت في هذه الآية رأيت العلائق بين جملها علائق نحوية ، بل إنّ بعض السّور ليست إلّا جملة نحوية تحتضن في سياقها جملا صغرى متعلقة ببعضها تعلقا نحويا انظر سورة ( والعصر ) ما ذا ترى ؟ لا ترى إلا جملة نحوية واحدة تعلّقت مكونها كلّها ببعضها تعلّقا نحويّا ، ومن ثمّ فإنّ السّورة كلّها قائمة من النّظم التركيبيّ ، وليس النّظم الترتيبيّ ، وهذا ما تراه أيضا في سورة ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) وعلى الرّغم من ذلك فهي معجزة الخلائق أجمعين . و " البقاعيّ " في تأويله النظم التركيبيّ في بناء الجملة يربط دلالة التركيب وسمات الأسلوب بالسياق القريب والبعيد للجملة وبالقصد الرئيس من السّورة أحيانا ، وإن كان بيانه ارتباط الدلالة التركيبية للجملة بالسّياق الممتدّ للجملة قد يكون خافتا لا يبصره من كان متعجلا وغير خفي أنّه كلّما اتسعت دائرة السياق كانت علاقة خصائص بناء الجملة به أدخل في اللطف الذي يفتقر المتدبّرة إلى فيض من اللقانة العقليّة والصفاء الذوقيّ