محمود توفيق محمد سعد
225
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
العلم : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( آل عمران : 8 ) ، فانفتح له ذلك الباب ، ولاحت له من ورائه بوارق أنوار تلك الأسرار رقص الفكر منه طربا وشكروا للّه استغرابا وعجبا وشاط لعظمة ذلك جنانه ، فرسخ من غير مرية إيمانه " « 1 » إذا ما نظرنا في سورة " النحل " مثلا فإنّا نراها من مقدمة وخاتمة وأربعة معاقد : المقدمة من الأولى والمعقد الأول من الآية الثانية إلى الحادية والعشرين ( 2 - 21 ) والثاني من الثانية والعشرين إلى الرابعة والستين ( 22 - 64 ) والثالث من الخامسة والستين إلى التاسعة والثمانين ( 65 - 89 ) والرابع من الآية التسعين إلى الآية الرابعة والعشرين بعد المائة ( 90 - 124 ) والخاتمة الآيات الأربع الأخيرة ( 125 - 128 ) حين نتأمل نجد أنّ " البقاعي قد جعل المعقد الثالث معطوفا مطلعه على مقطع المعقد الأول أي الآية ( 65 ) على الآية ( 19 ) ووجه ذلك أنّ المعقد الأول من سورة النحل معقود للتدليل بأنعم اللّه تعالى على وحدانيته وقدرته وعلمه وكماله والمعقد الثالث معقود أيضا لتأسيس ضرب جديد من التدليل بالنعم على وحدانيته . . . . استدلالا يظهر فيه معنى الامتنان بينما آيات المعقد الأول كان التدليل أظهر من الامتنان أمّا آيات المعقد الثاني فهي كالجملة الاعتراضية بين المعقدين الأول والثالث ، وآيات هذا المعقد الثالث قائمة ببيان ونقض اعتراضات المشركين ، فهنالك تشاكل بين موقع هذا المعقد الثالث ومضمونه ، وهو ضرب من المشاكلة بين الوقع المضمون بديع . ننظر في تناسب آيات المعقد الأول : تبدأ آيات المعقد بتقرير نعمة النّعم : إنزال الملائكة بالوحي على من يشاء من عباده ، ثم نعمة خلق اللّه تعالى السماوات والأرض وتفرده بذلك وجميع آيات المعقد حديث عن النعم الدالة على وحدانية اللّه وعلمه وقدرته واختياره الدليل الأول دليل غيبي ترى آثاره وتسمع ، ولا تدركه الحواس وهو إنزال الملائكة بالوحي وخلق السماوات والأرض .
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 11