محمود توفيق محمد سعد
217
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
المعلم الخامس ردّ مقطع السورة على مطلعها يقيم " البقاعيّ " منهاجه في تأويل البيان القرآنيّ على أنّ بناء السورة القرآنية بناء الدائرة المفرغة الملتحم طرفاها التحاما لا يتبيّن مفصل بين أولها وأخرها . لا ، بل ليس هنالك أول ولا آخر ولا التحام ولا التئام ، بل هنالك سبك وإفراع . في كتابه " مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور " : " يقرّر أنّ " كلّ سورة لها مقصد واحد يدار عليه أولها وآخرها ، ويستدلّ عليها فيها ، فترتّب المقدمات الدّالة عليه على أتقن وجه وأبدع نهج وإذا كان فيها شيء يحتاج إلى دليل استدلّ عليه ، وهكذا في دليل الدليل ، وهلمّ جرّا . فإذا وصل الأمر إلى غايته ختم بما منه كان ابتداء ، ثمّ انعطف الكلام إليه ، وعاد النظر عليه ، على نهج بديع ومرقى غير الأوّل منيع ، فتكون السورة كالشجرة النضيرة العالية والدوحة البهيجة الأنيقة الحالية المزينة بأنواع الزينة المنظومة بعد أنيق الورق بأفنان الدرّ وأفنانها منعطفة إلى تلك المقاطع كالدوائر وكلّ دائرة منها لها شعبة متصلة بما قبلها ، وشعبة ملتحمة بما بعدها وآخر السورة قد واصل أولها كما لاحم انتهاؤها ما بعدها ، وعانق ابتداؤها ما قبلها ، فصارت كلّ سورة كدائرة كبرى مشتملة على دوائر الآيات الغرّ البديعة النظم ، العجيبة الضمّ بلين تعاطف أفنانها وحسن تواصل ثمارها وأغصانها " « 1 » القول بالبناء الدائريّ للسورة لا يتعاند مع القول بتصاعد المعنى في بنائها من جهة ولا بتصاعده في السياق القرآنيّ الكريم كلّه . ذلك أن التّصاعد ليس قائما على نسق تراكميّ بل على منهاج التناسل وهذا ناظر إلى أنّ المعاني في السورة القرآنية تتناسل لتطوف على محور واحد هو محور الدائرة الذي يسميه " البقاعي " : المقصود الأعظم ، فكل سورة كالدّائرة تتناسل معانيها متصاعدة لتشكل دائرة ، والسورة الأخرى دائرة تدور معانيها المتناسلة المتصاعدة على محور ( مقصود
--> ( 1 ) - مصاعد النظر : 1 / 149 .