محمود توفيق محمد سعد
215
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
وأمّا الإبقاء الأوّل فبقوله عزّ وجلّ : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أي المنعم بجلائل النعم ودقائقها التي بها البقاء . وأمّا الإيجاد الثاني فبقوله جلّ جلاله مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، وهو ظاهر . وأمّا الإبقاء الثاني فبقوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ إلى آخرها ، فإنّ منافع ذلك تعود إلى الآخرة . ثمّ جاء التصدير بالحمد بعد الفاتحة في أربع سور أشير في كلّ سورة منها إلى نعمة من هذه النعم على ترتيبها . " « 1 » فالفاتحة " أم الكتاب " جامعة الإشارة إلى كلّ ما يكون بسببه الحمد للّه ، ثم توزع علل الحمد الكلية الأربعة كلّ علّة في سورة ، وتنسق هذه السور على ترتيب العلل ، فتكون سورة الأنعام مستهلة بالحمد للّه على نعمة الإيجاد الأول : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ( الأنعام : 1 - 2 ) وسورة " الكهف " مستهلة بالحمد على نعمة الإبقاء الأول ، وأعلاه نعمة إنزال الكتاب : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً * قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً * وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً * ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ( الكهف : 1 - 5 ) وسورة " سبأ " مستهلة بالحمد للّه على نعمة الإيجاد الثاني ( البعث ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ * وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ * وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 45 - 46