محمود توفيق محمد سعد
210
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
الإلهية ، وأنه ليست هناك علل تكون المعلولات بكونها ، بل هنالك أسباب تكون المسببات عندها وليس بها ، وفرق بين أن يكون الشيء بالشيء وأن يكون عنده ، وكأنّي به في اختياره الإشارة إلى هذا المعنى في تأويل بسملة سورة الحجر ناظر إلى قوله عزّ وجلّ فيها : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( الحجر 21 ) وكأنّ هذه الآية هي الآية الأمّ والآية المحور التي عليها مدار المعنى القرآني الكريم في سورة الحجر . المهمّ أنّ تأويل بسملة كل سورة على غير تأويل بسملة الأخرى منهاج قد جاء به بعض أهل العلم من قبل " البقاعي " ولكلّ سنته في التأويل ، والذي يؤخذ من هذا كلّه أن الآخذين بتلك السنة في التأويل ينزعون من أمر له قدره في الفقه البياني للخطاب : ينزعون من الرغبة عن القول بالتكرار اللفظي والدلالي للكلمات في سياقات مختلفة ، وأنّ الكلمة وما فوقها لا تأتي إلا مرة واحدة وليس لها إلا موضع واحد ، فإذا أقيمت في مقام آخر فما هي بالتي كانت من قبل ، وهذا يعنى أن الوجود الدلالي للكلمة يتجدد بتجدد مواقع الكلمة وما فوقها ، وأنّ القول بالتكرار البياني في الخطاب العالي فضلا عن الخطاب العليّ المعجز إنما هو قول مفتقر إلى التحرير العلمي ، ومن ثمّ لا يعرف عالم البيان التناسخ بين مكوناته ومكنوناته ، فهو عالم قائم من متجدّدات ، وكأنّ لعالم البيان من عالم الجنة مثلا : تتشابه ثماره ولا تتوحد بل تتجدد وتتعدد : كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ ( البقرة : من الآية 25 ) وعلى هذا يكون جديرا بمن يقوم للإبحار في قماميس التأويل البياني للقرآن الكريم أن يكون على ذكر من أنّ البيان القرآنيّ خلاء من التكرار التأكيديّ الذي لا يضفي جديدا حميدا على ما سبق تأسيسه . وأن يكون على ذكر من أنّ البيان القرآنيّ ذو خصيصتين عظيمتين الأولى : خصيصة تناسل المعنى القرآنيّ وتصاعده والأخرى : خصيصة التصريف البياني . هاتان الخصيصتان أراهما من أشمل خصائص الإعجاز البياني للقرآن الكريم من بعد خصيصة إقامة الشعور بجلال القائل في قلب المتلقى المعافي من داء الغفلة .