محمود توفيق محمد سعد
198
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
عقاب الأمم السالفة والقرون الخالية مع ما ادّخر له في ذلك اليوم من سوء المنقلب ولإظهار أثر الغضب " « 1 » تراه في صدر السورة مكرّسا المقصود في معنى الإنذار ، فهذا المعنى هو محور ما تدور عليه المعاني الكلية للسورة المكونة من معان جزئية تصورها جمل السورة وآياتها وفي تأويله الآية الثامنة وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( لأعراف : 8 ) يجعل المقصود أعم من معنى الإنذار وإن كان قائما الإنذار في ذلك المقصود العام ، فإنّ في الإشارة إلى القدرة على البعث معنى الإنذار ، لأنه لا معنى للبعث إذا لم يترتب عليه جزاء العباد على ما عملوا إن خيرا وإن شرا . مجمل الأمر أنّ البقاعي ذو حرص على السعي إلى تحقيق المعنى الكليّ المهيمن على السورة التي هو بصدد تأويل بيانها وتبيان تناسب نظامها ، وحريص على أن يكون لهذا المعنى وجود في معاقد السورة ، وإن لطف أثره أحيانا في فقه المعاني الجزئية المكونة لمعاني المعاقد التي يتكون منها نظام السورة . وهذا المنهاج من أهم ما يميز تفسير البقاعي عن غيره من التفاسير السابقة عليه بل اللاحقة له ، فإنك لا تكاد تجد تفسيرا كمثله في ذلك الحرص ، والتتبع في كلّ سورة من سور القرآن الكريم كلّها . فليس من شك في أن الالتفات إلى ابراز بعض وجوه تناسب بعض الآيات في تواليها أمر غير مستحدث على يدي " البقاعيّ " فهو مما تجده في غير قليل من كتب التفسير من قبله ، غير أنك تجد هذا فيها كالشذرات ، ولا تجد من تنصرف عنايته إلى تحقيق المعنى الكليّ لكلّ سورة من سور القرآن الكريم وتنصرف إلى العناية بتبيان تلاحم بل تناسل المعاني الكليّة القائمة في معاقد السورة ، وتناسل المعاني الجزيئة القائمة في جمل السورة وآياتها ولكنك الواحد البقاعيّ يفعل ذلك في كلّ سورة من سور القرآن الكريم .
--> ( 1 ) - السابق 7 / 360