محمود توفيق محمد سعد

196

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

ثمّ يضيف تصريحا بالتدليل على الوحدانية التي أبان عنها إجمالا بقوله ( منزه عن شوائب النقص ) وأوّل وأكبر شوائب النقص الشرك ، فمن كان له شريك كان غير منزه عن رأس شوائب النقص ، ولعلّ البقاعيّ لم يصرح بالوحدانية أولا في تحقيق مقصود السورة وهو كثير المراجعة لتأويله إشارة منه إلى أنّ الوحدانية ملزوم ما صرح به من كمال علمه وقدرته واختياره وتنزهه عن شوائب النقص ، والتصريح باللوازم يلزمه العلم بالملزوم ، ومن سلّم باللازم وجب عليه التسليم بالملزوم لا محالة : من سلم لك بأنّ فلانا يتحرك وجب عليه التسليم بأنّه حيّ ، فالحياة ملزوم الحركة ، وهذا منهاج من مناهج الإلزام بالحقيقة . وكأنّ البقاعي يشير بذلك إلى منهاج السورة في التدليل ، فهي تتخذ ذكر النعم امتنانا دليلا على وحدانية المنعم وكمال علمه وقدرته واختياره وتنزهه عن شوائب النقص ، وهذا ما تقوم عليه السورة ، فأشعرنا البقاعي بصنيعه هذا حقيقة المنهاج الذي يقوم عليه البيان في السورة من التصريح باللازم لتحقيق وتأكيد الملزوم . على أنّ بيان السورة يقيم جملا مصرحة بالوحدانية يقيمها في مواقع معينة من مساحة البيان فيها : تجده في صدر المعقد الأول يقول عزّ وجلّ : أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ( النحل : من الآية 2 ) ويقول في ختام تعديده مجموعة من نعمه الممتن بها والمدلل بها على وحدانيته وعلمه وقدرته وتنزهه عن شوائب النقص ( ي : 2 - 21 ) : إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ( النحل : من الآية 22 ) ومن بعد أن يذكر ما اعتراض به الكافرون على الدعوة ويقوضها ( ي : 24 - 50 ) يصرح بالوحدانية وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( النحل : 51 ) أنت إذ تتابع النظر في آيات السورة تجد أنها منسولة من معنى التدليل بالنعم على وحدانية اللّه سبحانه وتعالى وما يلزمها من الصفات الحسنى : كمال العلم والقدرة والاختيار وإن تفاوتت دلالة الآيات على هذا المعنى ، فالسورة قائمة على منهاج تصريف البيان عن المعنى الواحد ( المقصود الأعظم ) بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه وهذا ليس خاصّا بسورة " النحل " بل هو شامل كلّ سورة من سور القرآن الكريم