محمود توفيق محمد سعد
192
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
وأدلّها على غيب الذات وأوقعها في النّفوس لا سيّما عند العرب ، ثمّ تعرف بالأفعال ، فأكثر منها ، فلمّا لم يبق لبس أثبت الوحدانية بأيتها السابقة مخللا ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام وأنواع الترغيب والترهيب في محكم الوصف والترتيب ، فلمّا تمت الأوامر ، وهالت تلك الزواجر ، وتشوفت الأنفس في ذلك اليوم إذ كان المألوف من ملوك الدّنيا أنّهم لا يكادون يتمكنون من أمر من الأمور حقّ التمكن من كثرة الشفعاء والرّاغبين من الأصدقاء إذ كان الملك منهم لا يخلو مجلسه قطّ من جمع كلّ منهم صالح للقيام مقامه ، ولو خذله أو وجه إليه مكره ضعضع أمره ، وفتّ في عضده ، فهو محتاج إلى مراعاتهم واسترضائهم ومداراتهم ، بيّن سبحانه وتعالى صفة الآمر بما هو عليه من الجلال والعظمة ونفوذ الأمر والعلو عن الصدّ والتنزه عن الكفر والنّدّ والتفرد بجميع الكمالات والهيبة المانعة بعد انكشافها هناك أتمّ انكشاف ؛ لأن تتوجه الهمم لغيره ، وأن تنطق بغير إذنه ، وأن يكون غير ما يريد ؛ ليكون ذلك أدعى إلى قبول أمره والوقوف عند نهيه وزجره ولأجل هذه الأغراض ساق الكلام مساق جواب السؤال ، فكأنّه قيل : هذا ما لا يعرف من أحوال الملوك ، فمن الملك في ذلك اليوم ؟ فذكر آية الكرسيّ سيدة آي القرآن التي ما اشتمل كتاب على مثلها مفتتحا لها بالاسم العلم الفرد الجامع الذي لم يتسم به غيره " « 1 » يأتي أيضا في مقدمة تأويله موقع قصة سيدنا إبراهيم عليه السّلام وطلبه من ربّه عزّ وعلا أن يريه كيف يحيي الموتى ، فيلفت نظرنا إلى المقصود الأعظم للسورة قائلا : " ولمّ كان الإيمان بالبعث بل الإيقان من المقاصد العظمى في هذه السورة وانتهى إلى هذا السياق الذي هو لتثبيت دعائم القدرة على الإحياء مع تباين المناهج ، واختلاف الطرق ، فبيّن أولا بالرد على الكافر ما يوجب الإيمان ، وبإشهاد المتعجب ما ختم الإيقان علا عن ذلك البيان في قصة " الخليل " صلّى اللّه عليه وسلّم إي ما يثبت الطمأنينة . وقد قرر سبحانه وتعالى أمر البعث في هذ السورة بعد ما أشارت إليه " الفاتحة " بيوم الدين أحسن تقرير ، فبثّ نجومه فيها خلال سماوات آياتها ، وفرّق رسومه في أرجائها بين دلائلها وبيناتها فعل الحكيم الذي يلقى ما يريد
--> ( 1 ) - نظم الدرر : ج 4 / 25 - 26