محمود توفيق محمد سعد
177
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
وإذا كان هذا الذي سمعت من رأي " أبي سليمان الخطابيّ " فإنّ لصاحب كتاب " المباني لنظم المعاني " وهو من علماء القرن الرابع والخامس " ليذهب في مقدمة كتابه هذا في الفصل الثالث إلى أنّ القرآن الكريم على ترتيبه الذي بين أيدنا بين دفتي المصحف هو هو الذي في اللوح المحفوظ قائلا : " وأمّا الدليل على أنّه في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب الذي في أيدينا ، وأنّه تعالى أنزله جملة إلى السماء الدّنيا في ليلة القدر ، ثمّ كان ينزل منه الشيء بعد الشيء على حسب الحاجة إليه ، فهو قول اللّه سبحانه وتعالى : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( القيامة : 17 - 19 ) وهذا أدلّ الدليل على أنّ اللّه سبحانه وتعالى تولى تنزيله وجمعه ونظمه ، وأنزله على المصطفى صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا على لسان جبريل عليه السّلام وعصمه السهو والخطأ والتحرف فيه " « 1 » ثمّ يقول : " وتدلّ عليه الأخبار المروية عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا في تسمية سورة " الحمد للّه ربّ العالمين " فاتحة الكتاب ، فلولا أنّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا أمر الصحابة أن يرتبوا هذا الترتيب عن أمر " جبريل " عليه السّلام عن " اللّه " عزّ وجلّ لما كان لتسميته هذه السورة فاتحة الكتاب معنى ، إذ قد ثبت بالإجماع أنّ هذه السورة ليست بفاتحة سور القرآن نزولا ، فثبت أنّها فاتحته نظما وترتيبا وتكلّما " « 2 »
--> ( 1 ) - مقدمتان في علوم القرآن ( مقدمة كتاب المباني ) ت : أرثر جفري : ص : 40 - مكتبة الخانجي . ( 2 ) - السابق : 41 - 42