محمود توفيق محمد سعد

175

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

والتشكيك فيه ، فأبقاه اللّه سبحانه وتعالى على الجملة التي أنزل عليها من التفريق في ظروفه وحفظه من التبديل والتغيير إلى أن ختم الدين بوفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ، ثمّ قيض لخلفائه الراشدين عند الحاجة إليه جمعه بين الدفتين ، ويسّر لهم حصره كلّه باتفاق من إملاء الصحابة وإجماع من آرائهم حين لم يكن بقي للنسخ منه مرتقب ، ولا شيء من أحكامه متعقب . . . . " « 1 » هذا دالّ من أبي سليمان الخطّابيّ على أن جمع القرآن الكريم في الصدور مرتبا آياته وسوره قائم على عهد النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ، ومبين وجه تأخير جمعه على ذلك النحو بين دفتي مصحف ، ووجه قيام الصحابة بجعل جمعه كذلك في الصدور زمن النبوة مضموما إليه جمعه بين دفتين ، فكان الجمعان توثيقا وتحقيقا مخافة أن يزول الجمع الأول بزوال الصدور التي جمعته حين استحر القتل بكثير منهم جهادا في سبيل اللّه سبحانه وتعالى ، فما فعله الصحابة من الجمع لم يكن أكثر من استنساخ الجمع القائم في الصدور ليكون بين دفتي مصحف ، وهذا شأنه شأن الوراقين الذين ينسخون الكتاب من النسخة الأم التي أبدعها ورتّبها وألف بين أجزائها مؤلف الكتاب في عالم أهل العلم ، فلا يكون من الورّاق إلا أن ينقله من النسخة الأم التي خطها مؤلفها كما هي إلى نسخ أخرى متعددة ، غير أن النسخة الأم هنا في شأن القرآن الكريم كانت الصدور المحفوظة بالإيمان والمحفوظ ما بها من القرآن الكريم بحفظ منزله سبحانه وتعالى على عبده ونبيه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( الحجر : 9 ) وأنت إذ تنظر في بيان هذه الآية الجليلة لا تجدها قائمة من جملة واحدة مخبر فيها عن المسند إليه بخبرين معطوف ثانيهما على أولهما بل قائما من جملتين عطفت الثانية على الأولي ، وبنيت كلّ منهما على المسند إليه المؤكد المدلول عليه بنون العظمة ( إنّا ) مع توكيده في الأولى المخبرة عن اللّه سبحانه وتعالى بتفرد الإنزال بقوله ( نحن ) من دون الثانية المخبرة عن اللّه سبحانه وتعالى باختصاص حفظه بالذكر الحكيم ففي كلّ اختصاص : في الأولى اختص نفسه بإنزاله ، فلم ينزل القرآن الكريم غيره ، فهو من قصر الصفة على الموصوف : قصر إنزال القرآن الكريم عليه سبحانه وتعالى .

--> ( 1 ) - أعلام الحيث في شرح صحيح البخاري لأبي سليمان الخطابي : ج 3 ص 1852 - 1858 - ت : محمد سعد أل سعود - ط : جامعة أم القرى - 1409