محمود توفيق محمد سعد
165
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
المعلم الثّالث . علاقة فاتحة كل سورة بخاتمة ما قبلها لكلّ سورة مطلع تلاوة ومقطع ترتيل ، وسوف يتبين لنا منزل المطلع في الدلالة على مقصودها ومضمونها ومنزل المقطع في تكريس معانيها وتكثيف مضامينها . و " البقاعيّ " ذو عناية بالنظر في تأويل علاقة مطلع السورة بمقطع ما قبلها مثلما كان ذا عناية بتأويل علاقة مقاصد السور ببعضها ، ليكون التناسب بين السور ذا أسباب عديدة ومتجليا في مظاهر كثيرة وقولنا " مطلع " السورة ، أو فاتحتها ، و " مقطع " السورة أو خاتمتها لا يعنى أن مطلعها هو منقطع عن السابقة عليها المصطلح هنا ليس منظورا فيه إلى علائق معاني السور ، وإنما منظور فيه إلى شأن التلاوة والترتيل المهمّ أنّ " البقاعيّ " ليس منهاجه بالمقتصر على أن يربط الآية الأولى من السورة بآخر آية من التي قبلها فحسب ، بل مستهل السورة عنده هو مفتاحها ومكتنز مقصودها ، فربط أولها بآخر التي قبلها الممثل حسن ختامها الراجع على مستهلها هو في حقيقته ربط مقصود بمقصود ، فصنيعه هنا ليس ربط جزئيات بجزئيات بل ربط مضمون كليّ لسورة بمضمون كلىّ لأخرى سابقة عليها ، وهذا ضرب من التصريف المنهجي لدي البقاعي في تقرير الحقيقة التي انتهى إليها . يقول في إيلاء سورة " المائدة " سورة " النساء " : " لمّا أخبر تعالى في آخر سورة " النساء " أنّ اليهود لمّا نقضوا المواثيق التي أخذها عليهم حرم عليهم طيبات أحلّت لهم من كثير من بهيمة الأنعام المشار إليها بقوله : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( الأنعام : 146 ) « 1 »
--> ( 1 ) - الأعلى أن يذكر هنا قول اللّه عزّ وجلّ في سورة النساء : فيظلم من الّذين هادوا حرّمنا عليهم طيّبات أحلّت لهم . . . : ي 160 ) ولعله قدسها أو كان ذلك من قبل الناسخ