محمود توفيق محمد سعد
155
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
ومنزل الآية من المعقد منزل الأسرة من البطن ومنزل المعقد من السورة منزل البطن من القبيلة ومنزل السورة من القرآن منزل القبيلة من الجنس البشري هذا من عالم الخلق ، والقرآن الكريم من عالم الأمر أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( لأعراف : من الآية 54 ) للجنس البشري أب يتناسل منه وينتسب إليه وللبيان القرآني الكريم مقصود أعظم تتناسل منه المعاني القرآنية وتنتسب إليه . إن هو إلا تقريب لا تصوير ، إذ كيف يصور ما هو من عالم الأمر بما من عالم الخلق ؟ المقصود الأعظم للقرآن العظيم هو الذي على أساسه القويم كانت سنة اختيار الكلمة في نظم الجملة وسنة نظم الجملة من الكلمات المختارة وسنة نظم الآية من هذه الجملة وسنة نظم المعقد من هذه الآيات وسنة نظم السورة من هذه المعاقد ثم سنة نظم السور وترتيبها ومن ثمّ كانت عناية البقاعي بتدبر بلاغة تناسب البيان القرآني الكريم من وجوه عدة أعمّها بلاغة ترتيب السور وتناسب موقعها وهو أمر عظيم يقوم عليه منهاج التدبّر والتّأويل في تفسير البقاعي لا يتخلى عنه في موضع من مواضعه . وسوف نشير إلى معالم أخرى منسولة من هذا المعلم الكليّ وكلها رامية إلى تقرير حقيقة تناسب القرآن الكريم في ترتيب بناء جمله وآياته ومعاقده وسوره . و " البقاعيّ " يقرر في نهاية مقدمة تفسيره " أنّه لا وقف تام في كتاب اللّه ، ولا على آخر سورة ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) بل هي متصلة مع كونها آخر القرآن بالفاتحة التي هي أوله كاتصالها بما قبلها بل أشدّ " « 1 » ويقرر عند تأويل قول اللّه جلّ جلاله : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ ( البقرة : 88 ) تبعا ل " الحرالّيّ " انّه : " انتظم صدر هذه السورة إظهار الشيطنتين من الجنّ والإنس الذي انختم به القرآن من قوله : " مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ "
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 15