محمود توفيق محمد سعد

152

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

الحديثين : حديث القرآن الكريم والسنة عن القرآن العظيم في وعاء بحث تحليليّ تأويليّ . ومن رحيمية اللّه جلّ جلاله أو رحمانيته أنّه إذا ما كان مستفتحا سورة ( أم الكتاب : الفاتحة ) بالحديث عن نفسه معلنا استحقاقه الحمد ، ومعلما عباده كيف يحمدوه ، مبرزا لهم خمسة أسماء من أسمائه الحسنى : اسم الذات وأربع صفات من صفات كماله العليّة : اللّه - ربّ العالمين ، الرحمن ، الرحيم ، مالك يوم الدين ، فإنّه جلّ جلاله يستفتح أول تفصيله أم الكتاب بسورة البقرة مستهلا بيانه بالحديث عن القرآن الكريم : ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( البقرة : 1 - 2 ) وإذا ما كان جلّ جلاله قد نسق اسمه وصفاته الحسنى نسقا دالا على عظيم ارتباطها واعتلاقها ، فاستغنت عن ناسق لسانيّ ( حرف عطف ) فجاءت متتابعة غير معطوفة ( لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) فإنه سبحانه وتعالى أيضا نسق حديثه عن القرآن العظيم نسقا تتابع فيه النعوت على نحو لا محلّ فيه لعاطف ، فهي نعوت يتناسل ثانيها من أولها ، وثالثها من ثانيها الحق عزّ وجلّ قد أعلن في مفتتح تفصيل البيان المجمل في سورة الفاتحة أن القرآن الكريم هو الكتاب البعيد المنزلة العليّ القدر الذي لا قبل لأحد أن يستشرف إلى اللحوق به ، وهو القائم الشاهد الذي لا يغيب بما أشار إليه اصطفاء اسم الإشارة للبعيد ( ذلك ) وكأنّ في هذا إشارة إلى الصراط المستقيم المطلوب الهداية إليه في سورة الفاتحة اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فقال ذلك الصراط المستقيم الذي تطلبون الهداية إليه هو ( الكتاب ) وبما أشار إليه التعريف باللام ( الكتاب ) واصطفاء كلمة ( كتاب ) الدالة على الجمع من جهة وعلى القضاء والحتم والتوثيق من أخرى ، فهو البيان الجامع الموثّق المحتوم الذي لا يتأتى لأحد من العباد أن ينقض بما أبرمه ، فهذه معان مكنونة في اصطفاء كلمة ( كتاب ) دون ذكر أو قرآن ، في هذا السياق ، فلم يقل ذلك الذكر أو ذلك القرآن . وأعلن أنّ ذلك الكتاب البعيد الشأن العليّ القدر هو أيضا بعيد كلّ البعد عن أن يكون محلا للريب أو أن يكون أهلا لأن يرتاب فيه مرتاب يقوم ارتيابه من شيء في ما يرتاب فيه أمّا أولئك الذين يرتابون فيما ليس فيه ما يغرى بريب ، بل يسقطون ما اعتمل في صدورهم من الريب على ما هو العليّ المنزه عن مثل ذلك فإنه لا اعتداد بمثلهم