محمود توفيق محمد سعد
143
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
أنت إذ تنظر في آية الكرسي : سيدة آي القرآن الكريم ترى أنّ نظمها نظم تركيبيّ لا ترتيبي ، وذلك أنّها تكاد تكون جملة بيانيّة واحدة ، وإن تركبت من عشر جمل نحويّة متتابعة على النحو التالي : اللَّهُ - لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ - لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ - لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ - مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ - يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ - وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ - وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ - وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما - وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( البقرة : 255 ) فاسم الجلالة عنده مبتدأ خبره محذوف مستفاد من السؤال المنسول من الآيات السابقة ، وقد قدّره : " لمن الملك اليوم " ؟ ، فيأتي الجواب ( اللّه ) وتأتي الجمل من بعد بيانا وتفصيلا ، فالعلائق بينها علائق تركيبية ، وليست علائق ترتيبية بين جمل بيانية . وأكثر ما يتناوله " علم المعاني " في أحوال المسند إليه والمسند ومتعلقاته ، وما يتناوله " علم البيان " و " علم البديع " أكثر هذا هو من النظم التركيبي عند " البقاعيّ " منزلة النظم التركيبي : هو عنده نظم " قريب التناول ، سهل التذوق ، فإنّ كلّ من سمع القرآن من ذكي وغبي [ كذا ! ! ] يهتز لمعانيه ، وتحصل له عند سماعه روعة بنشاط ، ورهبة مع انبساط لا تحصل عند سماع غيره ، وكلما دقق النظر في المعنى عظم عنده موقع الإعجاز " فكثير من الناس في صحبة استحضار قواعد علم بلاغة العربية التي عنى البلاغيون بها تحريرا وتطبيقا يستشعر في نفسه القدرة على أن يقول في النظم التركيبي في بناء الجملة ، فيظنّ أنّه قد أبحر في قاموس الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم ، وهو بعد لمّا يغمس أخمص قدمه في شاطئ القاموس المحيط المتلاطم موجه . يمكن القول بأن ترك " البقاعي " التصريح بهذا النظم التركيبي في تعريف " علم التناسب " - على أهميته عنده - إنّما هو ضرب من الإشارة إلى قيمة هذا النظم بالنظر إلى قيمة النظم الترتيبي عنده ، وهذا ضرب من منهجه في التقويم والتعبير عنه . * * *