محمود توفيق محمد سعد

140

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

وأما " نظم الكلم " فليس الأمر فيه كذلك ؛ لأنّك تقتفي في نظمها آثار المعاني في النفس فهو إذن نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض ، وليس هو " النظم " الذي معناه ضم الشيء كيف جاء واتفق . . . " « 1 » و " التناسب " لا يحتاج قائله إلى أن يحتاط كذلك إلا إذا وضع الكلمة في غير موضعها ، ولم يلحظ جرثومة مدلولها الاشتقاقي المؤدّنة بأنّه علاقة جوّانيّة تجرى في الأشياء مجرى الروح من الجسد ، ذات آثار برّانيّة مصاحبة لها ، خاضعة لسلطانها فما بين آيات القرآن الكريم ، وجمله البيانية ومعاقده وسوره علاقات معنوية ، ذات نسب عريق فيما بينها ، كأنّه في ظهوره وإدراكه علاقات أبناء آدم ببعضهم : " كلكم لآدم " كما هدت الكلمة النبوية المطهرة ، وإن كان ذلك النسب في اعتلاقه وآثاره أعظم وأجل مما بين أبناء آدم و " البقاعي " يجعل التناسب القرآني علما من علوم القرآن الكريم ، يكشف لنا عن مفهومه بقوله : " علم تعرف منه علل ترتيب أجزاء القرآن ، وهو سرّ البلاغة لأدائه إلى تحقيق مطابقة المقال لما اقتضاه الحال " « 2 » وهو إذ يستخدم مصطلح " العلم " ينطلق من مفهومه في المصطلح العربي ، الدّال على " إدراك الأصول والقواعد عن دليل ، وإمكان استحضارها متى أريد " ومن خلال هذا يقف الدارس موقف فقه وعرفان بالعلل المقتضية الإتيان بكل كلمة وما هو أكثر منها في الموطن الملائم ، وعلى الهيئة المناسبة وأنت تلحظ أن " البقاعي " قد عرف هذا العلم بأثره لا بحقيقته ، وكنهه ، فقال : علم تعرف منه وهو بهذا يكشف لنا عن أثر هذا العلم فيمن أحاط به أو أدركه ، فبإدراك أصوله نقف على ما كان مقتضيا أن توضع أجزاء القرآن الكريم : الكلمة وما فوقها في رتبتها التي وضعت فيها وهذا يحقق أيضا : " الاطلاع على الرتبة التي يستحقها الجزء بسبب ما له بما وراءه وما أمامه من الارتباط والتعلّق الذي هو كلحمة النسب " « 3 »

--> ( 1 ) - دلائل الإعجاز لعبد القاهر : ص : 49 - ت : شاكر - ط : المدني - نشر الخانجي ( 2 ) - نظم الدرر : 1 / 6 ، ومصاعد النظر : 1 / 124 ( 3 ) - نظم الدرر : 1 / 5