محمود توفيق محمد سعد
106
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
تتفاوت إلى ما لا يدخل تحت حصر ، كتفاوت الإنسان في صوره وألوانه وغير ذلك من أكوانه وبديع شأنه . وقد بيّنت ذلك في تصنيف مفرد لهذه الكلمة سميته : " تهديم الأركان من ليس في الإمكان أبدع مما كان " وأوضحته غاية الإيضاح والبيان ، وجرت فيه فتن تصمّ الآذان ، ونصر اللّه سبحانه وتعالى الحقّ بموافقة الأعيان ، وقهر أهل الطغيان ، ثمّ أردفته بكتاب " دلالة البرهان على أنّ في الإمكان أبدع مما كان " ثمّ شفيت الأسقام ودمغت الأخصام وخسأت الأوهام ب " القول الفارق بين الصادق والمنافق " وهو نحو ورقتين في غاية الإبداع في قطع النزاع . ويمكن أن تكون صيغة " افعل " مقيدة بالنسبة إلى شيء أراده اللّه سبحانه وتعالى بحيث أن نتفطن له نحن ، لأنّ من المجمع عليه عند أهل السنة وصرح به " الأشعري " وغيره في غير موضع من كتبهم أنّ اللّه سبحانه وتعالى لا تناهى مقدوراته . وممّن صرّح بما صرّح به " الأشعريّ " وأكثر فيه الإمام حجة الإسلام " الغزاليّ " في كتبه " الإحياء " وغيره ، ولا سيما : " تهافت الفلاسفة " وبيّن أنّ هذا [ أي ليس في الإمكان أبدع مما كان ] من قواعدهم لنفيهم صفة الإرادة ، وقولهم بأنّ فعله بالذات ، وبيّن فساد ذلك " « 1 » هذه القضية متعلقة بأصول العقيدة التي ينبغي أن نسعى جاهدين إلى أن تبقى صافية مطهرة من كلّ شائبة . إنّي أذهب إلى أنّ الرسالة العظمى والأولى بالعناية والرعاية والمجاهدة للعلماء هي حماية عقيدة التوحيد - أولا - من أن تطوف حول حماها أضاليل أهل الفسق الفكري والضلال العقدي والإفساد في قلوب العباد وأنّ على وليّ الأمر - إن كان يريد الخير لأمته - أن يعين العلماء على ذلك ويمكّن لهم في الأرض وأن يترصّد لمن يتسلّل إلى قلوب العباد بأضاليله العقدية من الفلاسفة الملحدين المحرفين القول عن مواضعه ، فهذا هو الأهم والمقدّم على غيره وإن كان غيره مهمّا جدا ، فليس الوقوع في شرب كأس خمر كمثل الوقوع في شائكة شرك وقد قضى اللّه سبحانه وتعالى قائلا مؤكدا في سورة تأسيس الأسرة المسلمة على هديه عز وعلا سورة " النساء " : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ( النساء : 48 )
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 22 / 140