احمد البيلي

54

الاختلاف بين القراءات

على أن تعدد هذه الصور الراجعة إلى اللهجات ، لم يؤد تناقضا في الأحكام أو المعاني التي أراد اللّه بيانها للناس . ومن المعاني المقصودة في بعض التراكيب ما لا يؤدّى إلا بوجهين من القراءة أو أكثر ، نحو : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ( البقرة / 132 ) برفع « يعقوب » في القراءة المتواترة ونصبه في القراءة الشاذة . كما سيأتي تفصيله في فصل « الاختلاف النحوي » . وفي بعض روايات حديث « الأحرف السبعة » النص على أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، سأل اللّه تعالى أن يخفف على أمته ، بأن يرفع عنها تكليف قراءة القرآن على حرف واحد . فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام ، الذي رواه أبيّ بن كعب رضي اللّه عنه . فقد جاء فيه : « اسأل اللّه معافاته ومغفرته ، فإن أمتي لا تطيق ذلك » « 34 » . على أن المبدأ العام في شريعة الإسلام اليسر ، ودفع المشقة حيثما وجدت . فلا تخلو فريضة من فرائضها من رخصة أو أكثر ، ففي تناول الطعام المحرم رخصة ، وفي الصلاة رخص ، وفي الصوم رخص وفي الحج رخص ، وهلم جرا . ولذا فمن الحكمة الإلهية أن يطّرد هذا المبدأ في كل أمر تكليفي فيه مشقة متيقّنة أو محتملة . وتكليف المسلمين - من العرب وغيرهم - بقراءة كلمات القرآن جميعها ، على نحو لا تختلف فيه الكلمات ، من حيث أصواتها وحركاتها ، وسكناتها ، فيه من المشقة والعسر ما فيه . وكثرة وجوه الاختلاف التي رواها العلماء بين القراءات ، متواترها وشاذها ، تدل على أن صور الاختلاف كانت كثيرة جدا . وحين انتشرت الكتابة ، وخف خطر الاختلاف في القراءات ، وظهرت بوادره في تفضيل قراءة صحابي على قراءة صحابي آخر ، بل وتخطئة الذين

--> ( 34 ) الطحاوي : مشكل الآثار ( 4 / 19 ) وابن حجر : فتح الباري ( 9 / 20 ) .