احمد البيلي

410

الاختلاف بين القراءات

يفلتوا من عقاب اللّه ، ذي القدرة على الانتقام والحكيم الذي تقتضي حكمته ألا يترك العاصين دون عقاب « 21 » . واستنادا على الأحاديث النبوية التي سبقت ، وعلى السبب الذي ذكر لنزول الآيتين اللتين تلتهما آية المبحث ، يكون معنى قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ على النحو التالي : فعلى القراءة المتواترة الأولى : ما ينتظر هؤلاء بعد تلك البينات إلا إتيان اللّه تعالى لهم في قطع من الغمام ، ومعه الملائكة ، لكي يجازيهم على كفرهم وتعنتهم « 22 » . وتلتقي القراءة الشاذة في هذا المعنى مع هذه القراءة المتواترة والمعنى على القراءة المتواترة الثانية التي جاءت فيها كلمة ( الملائكة ) مجرورة : ما ينتظر هؤلاء - بعد تلك البينات - إلا إتيان اللّه تعالى في قطع الغمام وطائفة من الملائكة . ومعنى الآية في القراءات الثلاث ملائم لمعتقد اليهود ، فهم مجسمون وقد قالوا لموسى من قبل : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ( البقرة / 55 ) . ومما يدل على أن الكلام في هذه الآيات الثلاث جاء أصلا عن اليهود لما بدا منهم من تعنت في طلب البراهين على أن ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلم حق من عند اللّه ، قوله تعالى في الآية التي تلت آية المبحث وهي « 23 » : سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ . . . . ومذهب الذين أبقوا النص على ظاهره دون تأويل أسلم ، لأنهم صدقوا بما قال اللّه تعالى ، غير سائلين عن الكيفية التي سيكون إتيان اللّه عليها ، ومنزهين ذاته عن مماثلة المخلوقين في الأحوال والصفات .

--> ( 21 ) روح المعاني 2 / 98 . ( 22 ) فتح القدير 1 / 210 ، 211 مجمع البيان 1 / 303 . ( 23 ) البحر المحيط 2 / 124 .