نصر حامد أبو زيد
97
الاتجاه العقلي في التفسير
« الشبه » هو الذي دفعه لتغيير قراءتها . ولقد استخدم مجاهد - تلميذ ابن عباس - هذا المصطلح في تأويل آية على غير ظاهرها ، وهو تأويل استنكره الطبري استنكارا شديدا ، وذلك في قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ حيث يقول : « لم يمسخوا ، إنما هو مثل ضربه اللّه لهم ، مثل ما ضرب مثل الحمار يحمل أسفارا » 16 ولم يكن مجاهد بعيدا عن الجدل العقائدي ، وما يحكى عن نزعته العقلية ، وما نسب إليه « من الميل إلى تتبع التصورات الأسطورية بالدرس والفحص ، والانتقال بنفسه إلى الأماكن التي يتصل بها شيء من الخوارق الخرافية ، ليجد لنفسه تفسيرا لها عن عيان وشهادة » 17 كل ذلك يقرّبه من المعتزلة أكثر مما يباعده عنهم . وتأويلاته الكثيرة لآيات القرآن تتفق مع التأويلات الاعتزالية حتى ليعده جولد تسيهر رائدا لهم في مسائل كثيرة في التأويل ، وينحصر فضل المعتزلة عنده في أنهم « جعلوا هذه الطريقة تستوعب جميع دائرة العبارات القرآنية الدالة على التشبيه » 18 . ب - مقاتل بن سليمان والاحساس بتعدد الدلالة ومما يؤكّد الارتباط بين تطور المصطلح البلاغي ، والخلافات العقائدية أن أول كتاب متخصص يصلنا في تحليل النص القرآني هو لمقاتل بن سليمان ( ت 150 ه ) الذي تنسب إليه المصادر القول بالتجسيم ، كما تنسب إليه مجادلته لجهم بن صفوان ( ت 128 ه ) . وقد سبقت الإشارة - في التمهيد - إلى دور جهم في ثورة الحارث بن سريج في عهد هشام بن عبد الملك ، وكان مقاتل في المعسكر المعادي للحارث . والتقى كل من جهم ومقاتل كممثلين لا تجاهين متعارضين ، سياسيا وفكريا . وعنوان الكتاب « الأشباه والنظائر » بل والكتاب نفسه بمنهجه وطريقة تناوله للنص القرآني يكشف عن ذلك الاحساس بتعدد دلالات اللفظ الواحد تبعا لتعدد السياقات واختلافها ، وهو بذلك يقرّبنا خطوة إلى جو « المجاز » بمعناه الاصطلاحي . ويعدّ الكتاب بذلك تطبيقا لما سبق أن ألمح إليه علي بن أبي طالب من قبل من أن « القرآن حمّال أوجه » وهذا الاحساس بتعدد دلالات اللفظ الواحد في القرآن ظلّ يلحّ على أفئدة المفسرين ويؤرقهم حتى صار موضوع « الوجوه والنظائر » فرعا من فروع الدراسات القرآنية ، كالناسخ والمنسوخ ، والاعراب . . الخ وهو فرع يعرّفه السيوطي بقوله : « فالوجوه اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان كلفظ الأمة . . . وقيل النظائر في اللفظ والوجوه في المعاني » 19 وكتاب مقاتل يتعرض لبعض الألفاظ والعبارات ، بل والحروف أيضا ، التي وردت في القرآن ، ويحاول أن يحصر « وجوه » معاني هذه الألفاظ والعبارات