نصر حامد أبو زيد

72

الاتجاه العقلي في التفسير

القرآن وهي خلافات أدّت إلى فتن دامية ، انتهت بالقضاء على الازدهار الاعتزالي في التاريخ الاسلامي 108 . ويقرر القرآن أن اللّه هو الذي علّم آدم الأسماء كلها ، ولذلك استند أصحاب التوقيف إلى هذه الآية ( سورة البقرة / 31 ) للاستدلال على صحة رأيهم . أمّا القائلون بالاصطلاح فقد وقعوا في مآزق حاولوا الخروج منها بالتأويل . واضطرب المعتزلة جميعا أمام هذه الآية اضطرابا عظيما . ذهب أبو علي الجبائي ( ت 303 ه ) مستندا إلى هذه الآية إلى أن « هذه اللغات أصلها التوقيف » 109 وبذلك أراح نفسه ، لأنه كان يعتبر الخاطر الداعي إلى النظر - أساس التكليف - اعتقاد ، وبالتالي لا بدّ قبل وقوع التكليف من جهة اللّه من التوقيف على بعض اللغات ليصحّ النظر ، ويحسن ارسال الرسل . ولقد خالف أبو هاشم ( ت 321 ه ) أباه في هذه القضية ، ويهاجم ابن القيّم الجوزية أبا هاشم على أساس « أنه زعم أن اللغات اصطلاحية ، وأن أهل اللغة اصطلحوا على ذلك » 110 وأنه أول من ابتدع هذه البدعة . ويبدو في حديث أبي هاشم أنه يردّ على أبيه تعليقه بعثة الرسل والوحي على التوقيف على بعض اللغات حين يقول : « إن التوقيف في تعليم الأسماء والصفات لا يصحّ . ويقول ( متأوّلا آية سورة البقرة ) إن تعليم اللّه تعالى آدم الأسماء لا يصحّ إلّا وقد عرف ، مواضعة ، على لغة الملائكة ، ثم وقعت المخاطبة بها ، فعرف عند ذلك ما عرفه اللّه تعالى » 111 وهكذا يفترض أبو هاشم أن ثمّة لغة تواضعت عليها الملائكة ، وأن آدم كان قد عرف هذه اللغة قبل أن يعلّمه اللّه أسماء الأشياء ، ثم علّمه اللّه أسماء هذه الأشياء باللغة التي عرفها آدم عن الملائكة . وينسى أبو هاشم أنه يرتدّ بقضية المواضعة إلى الملائكة الذين هم خلق للّه ، ويسلب آدم أي فعّالية في المواضعة اللغوية . وحقيقة المعضلة التي لم يدركها أبو هاشم أن سياق الآية نفسها كان في معرض بيان فضل آدم على الملائكة ، واختيار اللّه له للخلافة في الأرض ، ومن ثمّ تزويده ببعض الوسائل التي تعينه على الحياة ومنها تعليمه أسماء الأشياء ، وهي أسماء لم تكن الملائكة تعرفها ، حتى أنها عجزت عن الإنباء بأسماء هذه الأشياء ، وبذلك تميّز عنهم آدم بهذا العلم الذي وهبه اللّه إياه . وتعدّ فكرة الاصطلاح في اللغة - عند المعتزلة - ضرورية لنفي مشابهة اللّه للبشر ، وذلك إلى جانب اتصالها بقضية الكلام وحدوثه . فالمواضعة تحتاج للإشارة المادية الحسية بمعنى أن المواضعة بين اثنين مثلا على تسمية شيء ما باسم ما تستلزم أن يشير أحدهما للشيء وينطق الاسم عدة مرات ، وذلك « على حسب ما نجد الطفل ينشأ عليه فيتعلم لغة والديه ، إذا تكررت منهما الإشارات » 112 . هذه