نصر حامد أبو زيد
66
الاتجاه العقلي في التفسير
يفيدانه ما يخاف عنده من العقاب بترك النظر ، ويدلانه على ما ترتب في عقله من الخوف الذي يجده فاعل القبيح والنقص الذي يختصّ به . فإنه لا يأمن من مضرّة عظيمة تستحق به ، فيخاف عند ذلك » 88 ويقوم تخويف الداعي والخاطر على ما ترتب في العقل من ضرورة حسن الذم على القبيح إذا لم يكن هناك منع ، فيخشى الانسان ، إن هو لم يستجب للداعي والخاطر في حسن النظر ، أن يكون بترك النظر واقعا في قبيح يستحق عليه الذم . ويدفعه هذا الخوف من الوقوع في القبيح إلى النظر ليصل بذلك إلى المعرفة . غير أن النظر ، شأنه شأن الإدراك الحسي ، لا بدّ له من شروط حتى يؤدّى إلى العلم والمعرفة . وكما اشترط القاضي لصحة الإدراك الحسي سلامة الحاسّة وارتفاع الموانع ، فإنه يشترط وجود الشك ، وكأن الشك يعتبر بذلك مقدمة طبيعية وضرورية للفكر المؤدي إلى النظر « ومن حق النظر ألّا يصحّ إلّا مع الشك في المدلول » 89 وتعدّ فكرة الشك فكرة أساسية عند جميع المعتزلة تقريبا ، على اعتبار أن الشك ترجيح بين احتمالات مختلفة أو وجوه متعددة . ومن شأن هذا الشك أن يثير التأمل ويحرّك الفكر ، مما يجعل الشاك أقرب إلى معرفة الحقيقة ممن يثق بظنه ، ويستنيم إلى فكره ووهمه « والذي حصّلناه في هذا الباب ، أن النظر لا يصحّ إلّا مع تجويز كون المدلول على صفة وأنه ليس عليها ، فيجب أن يقارنه هذا التجويز . وقد يحصل ذلك مع الشك ، وقد يحصل مع الظن ، وقد يحصل مع الاعتقاد على جهة التبخيت . ولا يصحّ ذلك مع العلم ، ولا مع الجهل الواقع بالشبهة ، لأن العالم والجاهل بهذا العلم والجهل يتساويان في أنهما لا يجوّزان خلاف ما اعتقداه » 90 بمعنى أن العالم تسكن نفسه إلى ما علمه ، وكذلك الجاهل ، وكلاهما لا يمكن أن يقع منهما النظر ، وذلك على عكس الشاك أو المتردد بين احتمالات مختلفة . وتلتقي فكرة الداعي والخاطر - أساس التكليف العقلي للنظر - مع فكرة الشك والتجويز وإثارة الاحتمالات المختلفة في الذهن ، تلك الاحتمالات التي تكون مثيرا يدفع للنظر والفحص والاستدلال . ويؤكّد الجاحظ تلك العلاقة بين الشك والوصول إلى اليقين فيما يرويه عن أستاذه النظّام « نازعت من الملحدين الشاك والجاحد فوجدت الشاك أبصر بجواهر الكلام من أصحاب الجحود . . . الشاك أقرب إليك من الجاحد ، ولم يكن يقين قط حتى كان قبله شك ، ولم ينتقل أحد عن اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهم حال شك » 91 . والداعي والخاطر يثيران الشك في الانسان ، ويخيفانه من أن يكون على باطل ، ومن أن يكون جاهلا بالحقيقة . وهذا الخوف يدفعه للتأمل والاستدلال