نصر حامد أبو زيد
59
الاتجاه العقلي في التفسير
أثبته أبو هاشم هو الذي نسميه صفة خصوصا إذا أثبت حالة أوجبت تلك الصفات » 62 . وتأثر الباقلاني بأبي هاشم في مسألة العلم ، وتأثره - الذي أشرنا إليه سابقا - بالمعتزلة عموما في مسألة القدرة الحادثة ودورها في تحديد حالة الفعل ، يكشفان عن التقارب الفكري بين المعتزلة والأشاعرة ، وهو تقارب يعدّ ثمرة للحوار المتصل والجدل المستمر بين متكلمي الفريقين . ولقد كان من ثمرة هذا التقارب ما نجده من تطابق كبير بين أفكار الباقلاني في المعرفة والعلم وأفكار القاضي عبد الجبار ( ت 415 ه ) الذي انتهج أيضا - فيما يروي الشهرستاني - « طريقة أبي هاشم » 63 يؤكّد ذلك كثرة روايات القاضي عن أبي علي الجبّائي ( ت 302 ه ) وأبي هاشم اللذين يعدّهما أساتذته المباشرين ، وينقل عنهما دائما ، ويكتفي - في أحيان قليلة - بمناقشتهما ومحاولة التوفيق بين رأييهما . وتكاد آراء القاضي في العلم والمعرفة أن تكون هي آراء الجبائيين مع خلافات يسيرة في مسائل فرعية لا يعتدّ بها ، الأمر الذي يجعلنا نفترض - دون مغالاة - أن كلا من الباقلاني والقاضي عبد الجبار أخذا من معين واحد جلّ أفكارهما في هذه القضية . ولا يجب أن ننسى أيضا أن أبا الحسن الأشعري كان تلميذا مباشرا لأبي علي الجبائي . غير أن ذلك لا يجب أن ينسينا الفروق الأساسية بين المعتزلة والأشاعرة . 3 - مفهوم العقل ومراحل المعرفة عند المعتزلة والفارق الأساسي بينهما يكمن في دور العقل وهل هو سابق على الشرع أم تابع له ، ولقد ذهب الأشاعرة إلى أسبقية الشرع على العقل كما رأينا عند الباقلاني ، وذلك على عكس المعتزلة الذين أعطوا للعقل دورا أوليا وسابقا على الشرع ، وجعلوا الدليل السمعي تابعا للدليل العقلي ومترتبا عليه . أي أنهم جعلوا الدليل العقلي أصلا ، والدليل الشرعي فرعا على الدليل العقلي ، حتى ذهب القاضي إلى أن « كلامه تعالى لا يدلّ على العقليات ، من التوحيد والعدل ، لأن العلم بصحة كونه دلالة ، مفتقر إلى ما تقدم بذلك ، فلو دلّ عليه لوجب كونه دالّا على أصله ، ومن حق الفرع أن لا يدلّ على الأصل ، لأن ذلك يتناقض » 64 ويرتدّ هذا الفصل بين الدليل العقلي والدليل الشرعي ، وتقرير أسبقية الأول على الثاني إلى الجبائيين أبي علي وأبي هاشم اللذين اتفقا - فيما يروي الشهرستاني - « على أن المعرفة وشكر المنعم ومعرفة الحسن والقبح واجبات عقلية ، وأثبتا شريعة عقلية وردّا الشريعة النبوية إلى مقدرات الأحكام ومؤقتات الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل ، ولا يهتدي