نصر حامد أبو زيد
57
الاتجاه العقلي في التفسير
القلب المطلوب به علم ما غاب عن الضرورة والحس » 49 ويعرّف الدليل بأنه « هو ما أمكن أن يتوصّل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لا يعلم باضطرار . وهو على ثلاثة أضرب : عقلي له تعلق بمدلوله نحو دلالة الفعل على فاعله وما يجب كونه عليه من صفاته نحو حياته ، وعلمه ، وقدرته ، وإرادته . وسمعي شرعي دال من طريق النطق بعد المواضعة ومن جهة معنى مستخرج من النطق . ولغوي دال من جهة المواطأة والمواضعة على معاني الكلام ودلالات الأسماء والصفات وسائر الألفاظ » 50 . والذي يهمنا الإشارة إليه هنا هو وضع اللغة بين أنواع الدلالة ، واعتبار وجه دلالتها هو المواطأة والمواضعة على معاني الكلام . وتفصيل ذلك - كما يرى الباقلاني - أنه « قد يستدل بتوقيف أهل اللغة لنا على أنه لا نار إلّا حارة ملتهبة ، ولا انسان إلّا ما كانت له هذه البنية على أن كل من خبّرنا من الصادقين بأنه رأى نارا أو انسانا ، وهو من أهل لغتنا ، يقصد إلى إفهامنا أنه ما شاهد إلّا مثل ما سمي بحضرتنا نارا أو انسانا ، لا نحمل بعض ذلك على بعض ، لكن بموجب الاسم ، وموضوع اللغة ، ووجوب استعمال الكلام على ما استعملوه ووضعه حيث وضعوه » 51 . ومن حقنا أن نتساءل - والحالة هذه - عن الفارق بين الدلالة اللغوية والدلالة السمعية الشرعية ، إذا كان كلاهما يدلّ من جهة المواطأة والمواضعة ؟ وبالرغم من أن الباقلاني يعتبر الدلالة السمعية « فرعا لأدلّة العقول وقضاياها » 52 فإنه - من جانب آخر - يرى أنه « قد يستدلّ أيضا على بعض القضايا العقلية وعلى الأحكام الشرعية بالكتاب ، والسنّة ، وإجماع الأمة والقياس الشرعي المنتزع من الأصول المنطوق بها » 53 وهو بذلك يختلف - كأشعري - عن المعتزلة الذين يفصلون - بحسم - بين الدلالة العقلية ، والدلالة الشرعية ، ويعتبرون النوع الأول أصلا للثاني كما سنتعرض لذلك فيما بعد . والباقلاني - خلافا للقاضي عبد الجبار مثلا - يسلك في تقرير قضايا مؤلفاته مسلك الأشاعرة ، الذين يبدءون بالأدلة الشرعية من آيات القرآن والأحاديث النبوية ، والأخبار والآثار الواردة عن الصحابة والتابعين ، ثم ينتهي بالأدلّة العقلية التي تؤكّد هذه القضايا . وهذا المسلك يتسق مع إعلاء الأشاعرة من شأن الوحي وتقديمهم إياه على العقل . ويقرر الباقلاني هذا المبدأ بقوله « إن طرق البيان عن الأدلّة التي يدرك بها الحق والباطل خمسة أوجه : - 1 - كتاب اللّه عز وجل و - 2 - سنّة رسوله صلى اللّه عليه وسلم و - 3 - إجماع الأمة و - 4 - ما استخرج من هذه النصوص وبني عليها بطريق القياس والاجتهاد و - 5 - حجج العقول » 54 .