نصر حامد أبو زيد

52

الاتجاه العقلي في التفسير

واختلفوا فيما سوى الإرادة ، فقال أبو عثمان الجاحظ أنه يقع من الانسان بطبعه ، وأنه ليس باختيار له » 23 . ويترتب على القول بضرورية المعرفة وربطها بقانون الطبائع عند الجاحظ وغيره من المعتزلة نوع من الجبرية في الايمان تؤدي إلى القول بأن الكافر ليس قادرا على الايمان لأنه مما لا يحتمله طبعه الذي هو من خلق اللّه فيه . ولكن الجاحظ يحاول إنكار هذه النتيجة وذلك عن طريق القول بأن الكافر قد وقعت له المعرفة الضرورية باللّه وصفاته ، ولكنه كفر بعناده وانكاره واصراره على هذا العناد والانكار « والكفار عنده ما بين معاند وعارف قد استغرقه حبه لمذهبه » 24 . وننتهي من كل ذلك إلى أن قضية المعرفة ارتبطت في أصولها الكلامية بقضية الايمان من جانب ، والقدرة الانسانية من جانب آخر . ومن السهل أن نردّ كل محاولات العلاف والنظّام والجاحظ لرفع التناقض بين القول بقدرة الانسان والقول بضرورة المعرفة إلى رغبتهم في رفع التناقض بين « العدل » و « التوحيد » ذلك التناقض الذي كان يطرحه خصوم المعتزلة دائما في وجوههم لدرجة اتهامهم بالشرك لأنهم يجعلون مع اللّه خالقا آخر هو الانسان . غير أنه من الصعب على الباحث تقويم جهود المعتزلة في هذه القضية ، والحكم عليها سلبا أو ايجابا ، فذلك أمر يخرج عن نطاق البحث ، كما أنه يخرج عن حدود امكانيات الباحث وأدواته . والذي يهمنا هو محاولة استجلاء رأيهم في طبيعة النشاط العقلي وصولا إلى المعرفة لنرى حدود هذا النشاط ومجالاته . 2 - مفهوم العقل ومراحل المعرفة عند الحارث المحاسبي والباقلاني يعدّ كتاب « العقل » للحارث المحاسبي ( ت 243 ه ) أول مؤلّف - فيما نعلم - يتناول تعريف العقل ويعين حدود نشاطه . ويعدّ الحارث المحاسبي نفسه أول من تكلم في اثبات الصفات وإليه ينسب أكثر متكلمي الصفاتية 25 وهو ينتسب إلى المدرسة الكلابية التي تزعمها عبد اللّه الكلابي ( ت 240 ه ) والتي يعدها الأشاعرة أساس مدرستهم « وعلى كتب الحارث بن أسد في الكلام والفقه والحديث معول متكلمي أصحابنا وفقهائهم وصوفيتهم » 26 ويؤمن رجال هذه المدرسة « أنه لا خالق إلّا اللّه ، وأن سيئات العباد يخلقها اللّه ، وأن أعمال العباد يخلقها اللّه عز وجل ، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا منها شيئا » 27 . ولقد حاول الأشاعرة - ورائدهم تربّى في أحضان المعتزلة - التخفيف من هذه الصياغة الجبرية لمبدأ التوحيد ، فذهبوا إلى أن الفعل الانساني مخلوق للّه ويكتسب من جهة العبد