نصر حامد أبو زيد
50
الاتجاه العقلي في التفسير
يمنع النظّام أن يقول قائل « إنما رأيتك لأني التفت . وهو إنما رآه لطبع في البصر الدرّاك » 15 الذي يتولّد عنه الرؤية أو الإدراك . وإذا كان الإدراك يعدّ فعلا للّه لأنه فعل متولّد ، فإن المعرفة بأكملها - وهي متولّدة عن النظر - فعل اللّه أيضا بايجاب حركة القلب ، وذلك تأسيسا على تعريف النظّام للعلم بأنه « حركة من حركات القلب » 16 . ولقد بلغ من سيطرة فكرة الطبع على ذهن النظّام أن جعلها مدخله لإثبات وجود اللّه ، وذلك على أساس أن اجتماع الضدين دليل على أن ثمّ من قهرهما على غير طبعهما « وجدت الحر مضادا للبرد ووجدت الضدين لا يجتمعان في موضع واحد من ذات أنفسهما ، فعلمت بوجودهما مجتمعين أن لهما جامعا جمعهما وقاهرا قهرهما على خلاف شأنهما . وما جرى عليه القهر والمنع فضعيف ، وضعفه ونفوذ تدبير قاهرة فيه دليل على حدوثه وعلى أن له محدثا أحدثه ومخترعا اخترعه لا يشبهه ، لأن حكم ما أشبهه حكمه في دلالته على الحدث ، وهو اللّه رب العالمين » 17 وهذا كله يؤكّد ارتباط قضية المعرفة والبحث فيها بقضايا العدل والتوحيد أساس الفكر الاعتزالي . لا يختلف الجاحظ عن أستاذه كثيرا في منحاه الفكري العام ، وفي موقفه من قضية المعرفة والقدرة والطبع أيضا . يتميّز الانسان - عند الجاحظ - عن غيره من الكائنات الحيوانية بقدرته واستطاعته على الفعل والاختيار . ويترتب على القدرة والاستطاعة وجود العقل « إن الفرق الذي بين الانسان والبهيمة ، والانسان والسبع والحشرة ، والذي صيّر الانسان إلى استحقاق قول اللّه عز وجل : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ليس هو الصورة ، وأنه خلق من نطفة وأن أباه خلق من تراب ، ولا أنه يمشي على رجليه ، ويتناول حوائجه بيديه ، لأن هذه الخصال كلها مجموعة في البله والمجانين ، والأطفال والمنقوصين . والفرق إنما هو الاستطاعة والتمكين . وفي وجود الاستطاعة وجود العقل والمعرفة . وليس يوجب وجودهما وجود الاستطاعة » 18 . فالعقل تابع من توابع الاستطاعة ، والمعرفة نتيجة لها ، بمعنى أن انعدام القدرة والاستطاعة يلغي فاعلية العقل ويهدم أساس المعرفة ، وعلى ذلك تعدّ الاستطاعة أساسا لوجود العقل الذي يترتب على وجوده وجود المعرفة . غير أن الجاحظ يربط المعرفة والعقل بالحاجة الانسانية وضروراتها ، فهو يحكي على لسان أحد الحكماء « وقيل لأحد الحكماء : متى عقلت ؟ قال : ساعة ولدت . فلما رأى انكارهم لكلامه قال : أمّا أنا فقد بكيت حين خفت ، وطلبت الأكل حين جعت ، وطلبت الثدي حين احتجت ، وسكت حين أعطيت . يقول هذه مقادير حاجاتي ، ومن عرف مقادير حاجاته إذا منعها وإذا أعطيها ، فلا حاجة