نصر حامد أبو زيد

47

الاتجاه العقلي في التفسير

من موالي آل زياد ، وثمامة بن أشرس من شيوخ معتزلة البصرة من موالي بني نمير ، والجاحظ العالم المعتزلي الأشهر ذو الثقافة الموسوعية كان من موالي البصرة كذلك » 5 1 - المعرفة والايمان والقدرة ولقد ارتبطت قضية المعرفة - وهي أساس البحث في العقل - منذ نشأة الفرق الكلامية - بقضية الايمان ، وذلك على يد المرجئة . وانقسم المرجئة - كما سبقت الإشارة - إلى جبرية على رأسهم جهم بن صفوان ( ت 128 ه ) وإلى قدرية وعلى رأسهم غيلان الدمشقي ( ت 99 ه ) . وإذا كانوا جميعا قد اتفقوا على تحديد الايمان بأنه معرفة اللّه « وزعموا أن الكفر باللّه هو الجهل به » 6 كما يحكى عن جهم ، فمن الطبيعي أن يختلفوا حول قدرة الانسان على المعرفة بناء على اختلافهم في الجبر والاختيار . وإذا كان جهم قد ذهب إلى انكار أي قدرة للانسان على الفعل وذلك حتى تثبت القدرة للّه وحده سعيا منه إلى إقامة مبدأ التوحيد ونفي مشابهة اللّه للبشر ، فإن غيلان الدمشقي متسقا مع مبدئه في القدر ذهب إلى « ان الايمان باللّه هو المعرفة الثانية » 7 ومن حقنا أن نستنتج أن المعرفة الثانية هي المعرفة الناتجة عن النظر ، وذلك للتفرقة بينها وبين المعرفة الأولى التي يجدها الانسان في نفسه دون نظر أو استدلال ، وهو ما يطلق عليه في اصطلاح المتكلمين التالين المعرفة الضرورية . ومعنى ذلك أن معرفة اللّه - عند غيلان - تعدّ نتيجة لفعل انساني هو النظر ، وهو فعل يقع تحت مقدور الانسان وبحسب ارادته . ويمكننا - بناء على ذلك - أن نلمح في هذه المرحلة الباكرة ارتباط قضية المعرفة - بالايمان من جانب ، وارتباطها بالقدرة الانسانية وحرية الاختيار من جانب آخر . وظلّ هذا الارتباط بين المعرفة والقدرة والايمان قائما عند أبي الهذيل ، حتى اشترط لقدرة الانسان على الشيء « أن يكون عارفا لكيفيته وما لا يعرف كيفيته لا يقدر عليه فهو يقول : جائز أن يقدر اللّه عباده على الحركات والسكون والأصوات والآلام وسائر ما يعرفون كيفيته فأمّا الأعراض التي لا يعرفون كيفيتها كالألوان والطعوم والأراييح والحياة والموت والعجز والقدرة فليس يجوز أن يوصف الباري بالقدرة على أن يقدرهم على شيء من ذلك » 8 . وهذه التفرقة بين ما يقدر الانسان عليه وما لا يقدر ترتدّ إلى المعرفة الانسانية . وقدرة الانسان نفسها هي قدرة من فعل اللّه القادر على كل شيء . وواضح أن أبا الهذيل - هنا - كان يفرّق بين قدرة اللّه وقدرة الانسان ، ويبدو أنه كان يحاول رفع التناقض الذي ظلّ قائما بين القول بقدرة