نصر حامد أبو زيد

40

الاتجاه العقلي في التفسير

أخذه مباشرة عن غيلان الدمشقي ، ذلك أن الحسن بن محمد ابن الحنفية هو « أستاذ غيلان ويميل إلى الإرجاء ، ولهذا قالت به الغيلانية من المعتزلة ، 100 ويؤكّد هذه العلاقة بين غيلان والمعتزلة احتفاؤهم به في كتبهم ووضعهم إياه في الطبقة الرابعة منهم . والقارئ لقصة اعتراضه على استغلال بني أمية لفقراء المسلمين واعتراضه على ثرائهم الفاحش ، ثم قتلهم إياه على هذا الموقف . القارئ لذلك في كتابات المعتزلة يدرك مكانته عندهم حتى أنهم حوّلوا عملية صلبه في عهد هشام بن عبد الملك إلى مظاهرة سياسية تجعله - في كتبهم - بطلا يبكيه الناس ، وتحفّ به أرواح الشهداء 101 وتؤدّي هذه الأفكار بالضرورة إلى تأكيد فكرة الثواب والعقاب ، فمسئولية الانسان عن فعله وقدرته عليه ، تجعل مرتكب الكبيرة مسؤولا عن كبيرته ومحاسبا عليها ، إذ لا يمكن أن يتساوى المطيع والعاصي وإلّا أدّى ذلك إلى نفي صفة العدل عن اللّه . ولتأكيد هذه الصفة كان لا بدّ من القول بأن اللّه لا بدّ أن يحقق وعده للمؤمن ووعيده للكافر . وفي هذا المبدأ « الوعد والوعيد » يتفق المعتزلة مع الخوارج بكل اتجاهاتهم ما عدا مرجئتهم ، ويختلفون مع المرجئة بكل اتجاهاتهم . أمّا المبدأ الرابع - الذي يرتبط بالعدل - فهو « الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » وهو مبدأ لا يختلف عليه أحد من المسلمين ، شيعة أو خوارج أو مرجئة . ويتركّز الخلاف حول كيفية تحقيق هذا الهدف . فالخوارج رأت ضرورة الخروج والعرض على السيف لمخالفيهم . ورأى زيد بن علي - متأثرا بواصل - أن القدرة على الخروج شرط للإمامة ، وبذلك قرن بين فكر الشيعة وفكر الخوارج . ومن المؤكد أن واصلا له أثره في هذا الربط والتقريب بين المذاهب كما سبقت الإشارة . وإذن فقد ضمّ مبدأ « العدل » في اهابه كل أفكار المعتزلة ، وهي أفكار يغلب عليها - إذا استثنينا القول بالمنزلة بين المنزلتين - الطابع الانتقائي الذي يؤكّد ما سبق أن افترضناه من أن واصلا كان يسعى لتوحيد الفرق المختلفة لا الخروج عليها . ولا يخرج عن هذا التفسير قول واصل بالتوحيد ونفي مشابهة اللّه للبشر . وإذا كانت الاتجاهات التجسيدية والتشبيهية قد تركّزت في فرق الشيعة الغالية التي ترتدّ إلى الأثر اليهودي الذي أدخله عبد اللّه بن سبأ لتأكيد إمامة علي ، فإن مبدأ « التوحيد » ونفي مشابهة اللّه للبشر يعدّ - في هذا الإطار - محاولة لتأكيد المفهوم القرآني عن اللّه ، وهو مفهوم يؤكد الهوّة الواسعة بين اللّه والانسان ، وإن استخدم تعبيرات وصفات لها طابعها الانساني بحكم طبيعة اللغة الانسانية . ولقد كان من الطبيعي أن يذهب القائلون بالقدر إلى نفي مشابهة اللّه للبشر ، على أساس أن