نصر حامد أبو زيد
35
الاتجاه العقلي في التفسير
منهم . . . وذلك أنه قد صحّت عنده لعثمان أحداث في الست الأواخر فأشكل عليه أمره فأرجأه إلى عالمه » 77 ونفس الموقف يقفه هو وزميله عمرو بن عبيد من علي ومحاربيه طلحة وعائشة والزبير « فقد كان القوم عندهما أبرارا أتقياء مؤمنين قد تقدّمت لهم سوابق حسنة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهجرة وجهاد وأعمال جميلة ، ثم وجداهم قد تحاربوا وتجالدوا بالسيوف فقالا : قد علمنا أنهم ليسوا بمحقين جميعا ، وجائز أن تكون إحدى الطائفتين محقة والأخرى مبطلة ولم يتبين لنا من المحق منهم من المبطل فوكّلنا أمر القوم إلى عالمه ، وتولينا القوم على أصل ما كانوا عليه قبل القتال ، فإذا اجتمعت الطائفتان : قلنا : قد علمنا أن إحداكما عاصية لا ندري أيكما هي » 78 ويبدو مذهب واصل وعمرو بن عبيد في هذه القضية أقرب إلى المرجئة منه إلى الخوارج ، ولكنهم مرجئة لا ينفون الخطأ ولا يغمضون أعينهم عنه ، فثمّ أخطاء وقعت في الست الأواخر من حكم عثمان ، ولكن النفس التقية التي تتأثم من الرجم بالغيب تتوقف في الحكم ، وترجئ الأمر لعلام الغيوب . والمعتزلة - على عكس المرجئة - لا يفتحون باب الرحمة ولا يحكمون بالايمان أو الكفر ، بل يتوقفون مع الاقرار بوقوع الخطأ . وهم يختلفون مع المرجئة في اقرارهم بالخطإ دون تحديد المخطئ ، ويختلفون مع الشيعة والخوارج كذلك بتوقفهم عن تحديد المخطئ . أمّا الموقف من الأمويين فهو مختلف تماما ، فالحكم الأموي قائم ، والتوقف عن الحكم عليه إرجاء واضح ومظالم الأمويين تملأ الآفاق . وموقف أستاذهم الحسن من الأمويين واضح وضوحا بينا ، ولذلك فهم « مجمعون على البراءة من عمرو ومعاوية ومن كان في شقهما . . . وهذا قول لا تبرأ المعتزلة منه ولا تعتذر من القول به » 79 وفي هذا القول يتفق المعتزلة مع كل من الشيعة والخوارج ، ويختلفون مع المرجئة بكل اتجاهاتها ومذاهبها . 80 وتثير مسألة خلاف واصل مع أستاذه الحسن حول وصف مرتكب الكبيرة علامة استفهام تحتاج للإجابة والتوضيح ، خصوصا وهما يشتركان في كراهية بني أمية . ويحسّ الباحث أن هذا الخلاف كان خلافا شكليا يتصل بالتسمية دون أن يرتدّ إلى خلاف أعمق من ذلك . وليس معنى وصف الخلاف بأنه شكلي التهوين من شأنه ، فمن الواضح أن هذا الخلاف كانت له أهميته عند واصل حتى ناظر عليه عمرو بن عبيد واكتسبه إلى جانبه . 81 وترتدّ هذه الأهمية في نظرنا إلى ما سبق أن ألمحنا إليه من رغبة واصل في رفع الخلاف حول تسمية مرتكب الكبيرة والحكم عليه ، وتوحيده بهدف توحيد قوى المعارضة ، وإزالة أسباب الخلاف بينها .