نصر حامد أبو زيد
245
الاتجاه العقلي في التفسير
تكون الآيات التي تسند وجهة نظرهم وأفكارهم العقلية محكمة ، وأن تكون تلك التي يستدل بها خصومهم متشابهة في حاجة للتأويل . وسلك خصوم المعتزلة نفس مسلكهم . وكان القول بالمجاز عند كليهما وسيلة للتأويل واخراج النص عن ظاهره . وحين يعجز المعتزلة عن تأويل النص استنادا إلى تركيبه اللغوي ، يلجئون إلى الاستناد إلى الدليل العقلي . وكلا الدليلين عندهم سواء في تأويل النص القرآني . وقد اتضح ذلك كله في تأويل الآيات التي تتصل بقضيتي رؤية اللّه وخلق الأفعال ، وهما القضيتان اللتان أخذناهما كمثالين للتدليل على العلاقة الوثيقة بين مفهوم المجاز والتأويل من ناحية ، وبين قضايا الفكر الاعتزالي من ناحية أخرى . وكان الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة في قضية رؤية اللّه امتدادا لخلافهم حول قضايا التوحيد ونفي الصفات عن اللّه . وقد نفى المعتزلة نفيا قاطعا أن يرى اللّه ، على أساس أن الرؤية إنما تجوز على الأجساد المتحيزة في المكان والقائمة في جهة . واستندوا في التدليل على صحة رأيهم بآيات من القرآن أهمها قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ واعتبروها آيات محكمات تدل بظاهرها . أمّا تلك الآيات التي لا تتفق مع وجهة نظرهم فقد اعتبروها متشابهات في حاجة للتأويل . وكان « المجاز » هو سلاحهم الرئيسي في عملية تأويل هذه الآيات . وهو سلاح يشمل العبارة واللفظ ، والحروف أيضا إن احتاج الأمر . والهدف النهائي عند المعتزلة هو نفي مشابهة اللّه للبشر وتأكيد وحدانيته المطلقة وتفرّده الكامل . وفي سبيل هذا الهدف لا بأس من اخراج النص عن ظاهره بادعاء المجاز فيه . أمّا قضية خلق الأفعال فهي أساس مبدأ العدل ، ذلك المبدأ الذي يسعى لنفي فعل القبيح أو إرادة فعله عن اللّه ، ومن ثم يسعى لتأكيد قيام الفعل الانساني على الاختيار والحرية ، لا على الضرورة والاضطرار . وإذا كان الأشاعرة قد ذهبوا إلى اطلاق الإرادة الإلهية لتشمل كل المرادات ، ومنها كفر الكافر ، وكذب الكاذب ، فإن المعتزلة ميّزوا بين ما يريده اللّه من فعل نفسه ، وبين ما يريده من فعل غيره . وذهبوا إلى أن إرادة اللّه للفعل الانساني إنما هي إرادة على سبيل الاختيار لا الالجاء . وحين انتقل المعتزلة للاستدلال على أفكارهم تلك بالقرآن الكريم ، نازعهم خصومهم في صحة استدلالهم . ومن ناحية أخرى أوردوا عليهم أدلة أخرى تتناقض مع مسلماتهم العقلية . وكان القول بالمجاز هو الأداة الرئيسية للتأويل . وحين يعجز التحليل اللغوي عن بيان وجه التجاوز في العبارة ، يعتصم المعتزلة بالقرينة العقلية ، التي اعتبروها أشدّ دلالة من القرينة اللفظية المتصلة بالكلام .