نصر حامد أبو زيد

241

الاتجاه العقلي في التفسير

خاتمة انتهينا في التمهيد إلى أن الفكر الاعتزالي لم ينشأ مستقلا عن الظروف الاجتماعية للمجتمع الاسلامي ، وكان القول بالاختيار محاولة للوقوف ضد النزعة الجبرية التي تستر وراءها النظام الأموي لتكريس استغلاله لجماهير المسلمين . وقد حاول الحسن البصري التخفيف من الصياغة المسيحية لمبدأ الاختيار ، فاكتفى بنفي اسناد المعاصي إلى اللّه وأثبت مسؤولية الانسان عنها . وانتهينا إلى أن الخلاف حول مرتكب الكبيرة لم يكن مجرد خلاف فقهي ، بل كان خلافا يجسّد مواقف سياسية متباينة . وكان قول المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين محاولة لرأب صدع الخلاف بين الفرق المختلفة ، وخلق جبهة موحدة ضد النظام الأموي ، وكان من نتيجة ذلك أن آراء الفرق تقاربت في كثير من القضايا ، واستطاع واصل بن عطاء أن يوحّد بين المعتزلة والشيعة الزيدية توحيدا يكاد يكون تاما . غير أن المعتزلة شغلتهم - إلى جانب ذلك - مهمة الدفاع عن الاسلام ضد مهاجميه من أبناء الأديان الأخرى ، وكان عليهم من ثمّ أن ينظموا وسائلهم الاستدلالية لإقامة أفكارهم على أساس معرفي مكين . وكان الاعلاء من شأن العقل هو وسيلتهم لتحقيق الغايتين معا ، إلى جانب ما يؤدي إليه هذا الاعلاء من التسوية بين البشر ، وإلى عدم التفرقة بينهم على أساس الجنس أو الثروة . وإذا كان القرآن نفسه قد أعلى من شأن العقل والفكر ، فقد كان للمعتزلة الفضل الأكبر في الانطلاق من هذا الأساس إلى آفاق أرحب ، حيث انتهوا إلى أن العقل هبة من اللّه وهبها جميع البشر دون تمييز ، وجعلوه أساسا للتكليف ومقدمة ضرورية له . والعقل عند المعتزلة هو مجموعة من العلوم الضرورية التي يخلقها اللّه في المكلّف ، وهي علوم لا ينفكّ عنها الانسان ولا يشك في متعلقها . هذه العلوم الضرورية هي الأساس الذي يستطيع الانسان به الوصول إلى المعرفة ، وذلك عن طريق التفكير والنظر في الادلّة . وحين قارن المعتزلة بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية انتهوا إلى